معرفة الله


 
لماذا البحث عن معرفة الله ؟
 
لا توجد حركة بدون محفز،و بالطبغ فلا یمكن للحركة في طریق معرفة مبدأ عالم الوجود أن تكون بلا محفّز.و من هنا یذكر الفلاسفة والعلماء ثلاثة محفزات اساسیّة للبحث عن الله،و جمیعها مشار الیها في القرآن الكریم اشارات واضحة.
 
1ـ الحافز العقلي.
2ـ الحافز الفطري.
3ـ الحافز العاطفي.
 
1ـ الحافزالعقلي

 
الانسان یعشق الكمال، و یعتبر هذا العشق عشقاً خالداً عند كلّ النّاس،یبقی أن كل إنسان یری كماله في شيء معین،فیذهب نحوه، والبعض یذهبون باتجاه السراب بدل الماء و یلهثون خلف القیم الوهمیّة والكمالات الخیالیّة ویتصورونها واقعاٌ.
قد یسمی هذا المبدأ احیاناً بـ (غریزة حب المنفعة و دفع الضرر) الـتي یجد الإنسان علی ضوئها بأنّه ملزم أن یكون له تعامل جاد مع كل موضوع یتعلّق بمصیره (بلحاظ النفع و الضرر).
لكن إطلاق كلمة «غریزة» علی هذا العشق أمر غیر سلیم، فالغریزة عادة تطلق علی أمور تؤثر في افعال البشر أو باقي الأحیاء بدون تدخل التكفیر، و من هنا تستعمل بالنسبة للحیوانات أیضاً.
وعلی هذا الأساس فمن الأفضل أن نستخدم عنوان (المیول السامیة) التي استعملها بعض العلماء لمثل هذه الموارد.
وعلی كلّ حال ،فهذا العشق للكمال و المیل نحو المصالح المعنویّة والمادیّة و دفع كلّ انواع الضرر یجبر الإنسان علی التحقیق حتی في مواضع الاحتمال ، و كلما كان هذا الاحتمال أقوی، و ذالك النفع و الضرر أعظم ،كان التحقیق و النظر أوجب.
من المستحیل أن یحتمل شخص تأثیر أمر مهم في مصیره، ولا یری من واجبه التحقیق حوله.
و قضیّة الإیمان بالله و البحث عن الدین تعبر من هذه القضایا بلا شك . لأنّ هنالك في محتوی الدین كلام عن القضایا المصیریّة، و عن القضایا التي یرتبط خیر وشر الإنسان إرتباطاً وثیقاً.
البعض یذكر مثالاً من أجل ایضاح هذا الأمر ،فیقولون:لنفترض اننا نجد إنساناً واقفاً علی مفترق طریقین و نسمعه یقول:أنّ البقاء هنا خطر یقیناً، و اختیار هذا الطریق (اشارة إلی أحد الطریقین) هو الاخر خطر، والطریق الثاني هو طریق النجاة، ثمّ یذكر قرائن و شواهد لكل ما قاله،فما من شك أن أي عابر سبیل یری نفسه ملزماً بالتحقیق و یعتقد أن اللاأبالیّة اتجاه هذه الأقوال مخالفة لحكم العقل(1).
الأصل العقلي المعروف بـ «دفع الضرر المحتمل»،فرعّ من الحافز العقلي ،القرآن یخاطب النّبي(ص) فیقول:(قُل أرَءَیتُم إِن كانَ مِن عِند ِاللهِ ثُمَّ كفَرتُم بِهِ مَن أَضَلَّ مِمَّن هُوَ فِي شِقَاقِ بَعِیدٍ)(2)
ومن الواضح أن هذا الكلام إنّما یقال للاشخاص الذین لا ینفع معهم أيّ دلیل منطقي لشدّة عنادهم و تعصبهم. فالایة تقول لهؤلاء:إذا كنتم ترفضون حقانیة القرآن والتوحید ووجود عالم ما بعد الموت و تصرون علیه،فأنتم لا تملكون حتماً دلیلاً قاطعاً علی هذا الرفض، لذا یبقی ثمّة احتمال في أن تكون دعوة القرآن و قضیة المعاد حقیقة موجودة، عندها علیكم أن تتصوروا المصیر الأسود الموحش الذي ینتظركم لعنادكم و ضلالكم و معارضتكم الشدیدة إزاء الدین الإلهي.
إنّه نفس الأًسلوب الذي نقرأ في محاججة أئمّة المسلمین لأمثال هؤلاء الأفراد، كما نری ذلك واضحاً في الحادثة التي ینقلها العلّامة الكلیني في «الكافي» حیث یذكر فیه الحوار الذي دار بین الإمام الصادق(ع) و ابن أبي العوجاء.
فمن المعروف أنّ «عبدالكریم بن أبي العوجاء» كان من ملاحدة عصره ودهرها، وقد حضر الموسم (الحج) أكثر من مرّة والتقی مع الإمام الصادق في مجالس حوار،انتهت إلی رجوع بعض أصحابه عنهُ إلی الإسلام، ولكنّ ابن أبي العوجاء لم یسلم، وقد صرح الإمام(ع) بأن سبب ذلك هو إنّه أعمی ولذلك لا یسلم.
والحادثة موضع الشاهد هنا هي أنّ الإمام بصر بابن أبي العوجاء في الموسم فقال له: ما جاء بك إلی هذا الموضوع؟
فاجاب ابن أبي العوجاء: عادة الجسد، وسنة البلد، ولننظر ما الناس فیه من الجنون والحق و رمي الحجارة!
فقال لهُ الإمام: أنت بعد علی عتوك و ضلالك یا عبد الكریم(3).
وعندما أراد أن یبدأ بالمناقشة و الجدال قال له الإمام(ع): لا جدال في الحج.ثم قال لهُ: إن یكن الأمر كما تقول، و لیس كما نقول، نجوت.وإن یكن الأمر كما نقول، وهو كما نقول نجونا وهلكت.
فأقبل عبدالكریم علی من معه و قال: وجدت في قلبي حزازة (ألم) فردّوني، فردوه فمات(4)(5)
 
2ـ الحافزالعاطفي
 
ثمّة مثل معروف یقول: «إنّ النّاس عبید الإحسان».
ورد نفس هذا المعنی تقریباً في حدیث عن أمیرالمؤمنین الإمام علي(ع): «الإنسان عبد الإحسان»(6).
و نقرأ في حدیث عن نفس الإمام(ع): «بالإحسان تملك القلوب» (7).
وفي حدیث عن نفس الإمام أیضاً: «وأفضل علی من شئت تكن أمیره»(8)
وجذور كل هذه المفاهیم في حدیث الرسول(ع) إذ یقول: «إنّ الله جعل قلوب عباده علی حب من أحسن إلیها و بغض من أساء إلیها»(9).
و الخلاصة هي أن هنالك حقیقة تقول: إنّ الذي یسدي خدمة لشخص آخر أو ینعم علیه نعمة فسیكون محطاً لعواطفه، و یكون هذا الاخر محباً لصاحب الخدمة والنعمة، یحب أن یعترف علیه تماماً و یشكره، وكلما كانت هذه النعمة أهم و أوسع.
كان تحریك العواطف نحو «المنعم» و «معرفته» أكثر.
و لهذا جعل علماء علم الكلام (العقائد) مسألة «شكر المنعم» و منذ القِدّم احدی المحفزات علی التحقیق حوله الدین و معرفة الله.
ولكن یجب الإنتباه إلی أنّ «شكر المنعم»، هو دستور عاطفي قبل أن یكون حكماً عقلیّاً.
نختم هذه الإشارة ببیت شعر لأبی الفتوح البستي الشاعر العربي المعروف:
 
 
أحسن إلی الناس تستعبد قلوبهم        الما استعبد الانسان إحسان
 
 
نقرأ في حدیث عن الإمام باقر(ع): انّه قال «كان النّبي ذات لیلة عند عائشة فسألته: لماذا ترهق نفسك كلّ هذه الارهاق بالعبادة في حین قد غفر الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر فقال(ع): أفلا أكون عبداً شكوراً (10)
 
3ـ الحافزالفطري
 
عندما نتحدث عن الفطرة فمرادنا نفس تلك الاحساسات الداخلیّة والادراكیّة التي لا تحتاج إلی أي استدلال عقلي.
عندما نشاهد منظراً طبیعیّاً جمیلاً جداً أو زهرة ذات لون و رائحة طیبة نحسُّ في داخلنا بانجذاب قوي نحوها.ونسمي هذا الإحساس بالمیل نحو الجمال و عشقه و لا نری أي حاجة للبرهنة هنا.
أجل، إنّ الإحساس بالجمال من المیول المتعالیة للروح الإنسانیّة.
والإندفاع نحو الدین و خاصة معرفة الله هو ایضاً من هذه الإحساسات الذاتیّة و الداخلیّة. بل هو من أقوی الحوافز في أعماق طبیعة و روح جمیع البشر.
و لهذا السبب لا نشاهد قوماً أو أمّة لا في الحاضر و لا في الماضي التاریخي لم تكن تمتلك نوعاً من العقائد الدینیّة تتحكم في فكرها و روحها. وهذه علامة علی أصالة هذا الإحساس العمیق.
عندما یذكر القرآن قصص نهضة الأنبیاء العظام فإنّه یؤكد في عدّة مواضع علی هذه التقطة و هي أنّ الرسالة الأصیلة للأنبیاء تتمثل بإزالة آثار الشرك و الوثنیّة ( ولیس إثبات وجود الله،لأنّ هذا الموضوع مخبّاً في أعماق طبیعة كلِّ إنسان).
و بتعبیر آخر:إنّهم لم یكونوا بصدد غرس « بذور عبادة الله» في قلوب النّاس، بل كانوا في صدد سقایة البذور بصورة تامّة في بعض الأحیان.
وردت جملة (أَلَّا تَعبُدُوَا إِلَّا اللهَ) أو (أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ) في كلام الكثیر من الأنبیاء في القرآن الكریم، وهي عبارات تفید نفي الأصنام ولیس اثبات وجود الله كما جاء في دعوة رسول الإسلام (ع) (11)، و دعوة النّبي نوح(12)، و دعوة یوسف(13). و دعوة هود(14).
و فضلاً عن هذا فإنّنا نمتلك في داخل أرواحنا أحاسیس فطریّة أصیلة أخری منها ما نراه في نفوسنا في الإنجذاب الشدید اتجاه العلم و المعرفة و الإطلاع.
فهل من الممكن أن نشاهد هذا النظام العجیب في هذا العالم المترامي، ولا تكون لنا رغبة في معرة مصدر هذا النظام؟
و هل من الممكن أن یجدّ عالِم لمدّة عشرین من أجل التعرف علی حیاة النمل، و یثابر عالِم آخر عشرات السنین لمعرفة بعض الطیور أو الأشجار أو أسماك البحار بدون أن یكون في داخله حافز حب العلم؟هل یمكن أنّهم لا یریدون معرفة مصدر هذا البحر اللا متناهی الذي یشمل الأشیاء من الأزل إلی الأبد؟!
نعم، هذه حوافز تدعوننا إلی «معرفة الله». العقل یدعونا إلی هذا الطریق ،العواطف تجذبنا نحو هذا الاتجاه، و الفطرة تدفعنا إلی هذه الجهة.
كانت هذه خلاصة للمحفزات الواقیّة والحقیقة لظهور الدین و معرفة الله(15).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)-. نفحات القرآن، ج 2، ص 18ـ19.
(2) - «أرأيتم » تأتي عادةً بمعنی «أخبروني» وتفسر بنفس المعنی.
(3) - ينادية الإمام بهذا الاسم،‍ وهو اسمه الحقيقي مع كونه منكراً لله لكي يشعره مهانة ما هو عليه وهذا اسمه.
(4) - الكافي، المجلد الأوّل، ص 77ـ78، كتاب التوحيد باب حدوث العالم.
(5) - تفسير الأمثل: 15/440.
(6) - غرر الحكم.
(7) - غرر الحكم.
(8) - بحار الانوار، المجلد 77، ص 421.
(9) - تحف العقول، ص 37 (تم كلمات النّبي ص ).
(10) - اصول الكافي: ج 2، باب الشكر حديث 6.
(11) - هود، الاية: 2.
(12) - هود الاية: 26.
(13) - يوسف الاية: 40.
(14) - الأحقاف، الاية: 21.
(15) - نفحات القرآن: 2/39.

last news
 
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved