تداول



  
  
  
ما هو مفهوم التداول في الاقتصاد ؟
  
  

التداول ( المبادلة ) أحد الأركان الأساسية في الحياة الاقتصادية ، وهو لا يقل أهمية عن الإنتاج والتوزيع ، وإن كان متأخرا عنهما تاريخيا . فإن الوجود التاريخي للإنتاج والتوزيع يقترن دائما بالوجود الاجتماعي للإنسان ، فمتى وجد مجتمع إنساني فمن الضروري - ليواصل حياته ويكسب معيشته - أن يمارس لونا من ألوان الإنتاج ، وأن يوزع الثروة المنتجة على أفراده بأي شكل من أشكال التوزيع التي يتفق عليها .
   
فلا حياة اجتماعية للانسان دون إنتاج وتوزيع . وأما المبادلة فليس من الضروري أن توجد في حياة المجتمع منذ البدء .
   
لأن المجتمعات في بداية تكوينها تعيش على الأغلب لونا من الاقتصاد البدائي المقفل ، الذي يعني : قيام كل عائلة في المجتمع بإنتاج كل ما تحتاج اليه ، دون الاستعانة بمجهودات الآخرين .
  
وهذا اللون من الاقتصاد المقفل لا يفسح مجالا للمبادلة ، ما دام كل منتوج يستوعب بإنتاجه كل حاجاته البسيطة ويكتفي بما ينتجه من سلع . .
   
وإنما تبدأ المبادلة دورها الفعال على الصعيد الاقتصادي ، حين تتنوع حاجات الإنسان وتنمو ، وتتعدد السلع التي يحتاجها في حياته ويصبح كل فرد عاجزا بمفرده عن إنتاج كل ما يحتاجه من تلك السلع بأنواعها أشكالها المختلفة ، فيضطر المجتمع إلى تقسيم العمل بين أفراده ، ويأخذ كل منتج - أو فئة من المنتجين - بالتخصيص في إنتاج سلعة معينة من السلع المختلفة التي يحسن إنتاجها أكثر من غيرها ، ويشبع اجاته الأخرى بمبادلة الفائض من السلع التي ينتجها ، بما يحتاجه من السلع التي ينتجها الآخرون ، فتبدأ المبادلة في الحياة الاقتصادية بوصفها وسيلة لإشباع حاجات المنتجين ، بدلا عن تكليف كل منتج بإشباع اجاته كلها بإنتاجه المباشر .
   
وهكذا تنشأ المبادلة تيسيرا للحياة ، وتجاوبا مع اتساع الحاجات واتجاه الإنتاج إلى التخصيص والتطور .
   
وعلى هذا الأساس نعرف : أن المبادلة في الحقيقة تعمل في الحياة الاقتصادية للمجتمع بوصفها واسطة بين الإنتاج والاستهلاك ، أو بتعبير آخر بين المنتجين والمستهلكين .
   
فالمنتج يجد دائما عن طريق المبادلة والمستهلك الذي يحتاج إلى السلعة التي ينتجها ، وهذا المستهلك بدوره ينتج سلعة من نوع آخر ويحصل في المبادلة على المستهلك الذي يشتريها .
   
ولكن ظلم الإنسان - كما يعبر القرآن الكريم - الذي حرم الإنسانية من بركات الحياة وخيراتها ، وتدخل في مجال التوزيع على حساب هذا الحق أو ذاك . .
  
سرى أيضا إلى المبادلة حتى طورها وصيرها أداة استغلال وتعقيد ، لا أداة إشباع للحاجات وتيسير للحياة ، وواسطة بين الإنتاج والادخار لا بين الإنتاج والاستهلاك .
   
فنشأ عن الوضع الظالم للمبادلة من المآسي وألوان الاستغلال ، نظير ما نشأ عن الأوضاع الظالمة للتوزيع في مجتمعات الرق والإقطاع ، أو في مجتمعات الرأسمالية والشيوعية .
  
على أي حال فقد عالج الإسلام هذه المشاكل النابعة من النقد ، واستطاع أن يعيد إلى التداول وضعه الطبيعي ودوره الوسيط بين الإنتاج والاستهلاك .
   
وتتلخص النقاط الرئيسية في الموقف الإسلامي من مشاكل التداول فيما يلي :
   
أولا : منع الإسلام من اكتناز النقد ، وذلك عن طريق فرض ضريبة الزكاة على النقد المجمد بصورة تتكرر في كل عام ، حتى تستوعب النقد المكتنز كله تقريبا إذا طال اكتنازه عدة سنين ( 2 ) .
   
ولهذا يعتبر القرآن اكتناز الذهب والفضة جريمة يعاقب عليها بالنار . لأن الاكتناز يعني بطبيعة الحال التخلف عن أداء الضريبة الواجبة شرعا ، لأن هذه الضريبة لدى أدائها لا تفسح مجالا أمام النقد للتجمع والاكتناز ، فلا غرو إذا هدد القرآن الذين يكنزون الذهب والفضة وتوعدهم بالنار قائلا : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } ( 3 ) .
   
وعن هذا الطريق ضمن الإسلام بقاء المال في مجالات الإنتاج والتبادل والاستهلاك ، وحال دون تسلله إلى صناديق الاكتناز والادخار .
  
وثانيا : حرم الإسلام الربا تحريما قاطعا لا هوادة فيه ( 4 ) ، وبذلك قضي على الفائدة ونتائجها الخطيرة في مجال التوزيع ، وما تؤدي اليه من إخلال بالتوازن الاقتصادي العام ، وانتزع من النقد دوره بوصفه أداة تنمية للملك مستقلة بذاتها ، ورده إلى دوره الطبيعي الذي يباشره بوصفه وكيلا عاما عن السلع ، وأداة لقياس قيمتها وتسهيلا تداولها .
   
وقد يظن كثير ممن عاش التجربة الرأسمالية وألف ألوانها وأشكالها : أن القضاء على الفائدة يعني القضاء على البنوك والمصارف ، وتعطيل أجهزة الحياة الاقتصادية وشل كل أعصابها وأوردتها التي تمونها تلك البنوك والمصارف .
   
ولكن هذا الظن إنما ينشأ عند هؤلاء نتيجة للجهل بواقع الدور الذي تؤديه البنوك والمصارف في الحياة الاقتصادية ، وبواقع الصورة الإسلامية للتنظيم الاقتصادي الكفيل بعلاج سائر المشاكل التي تنجم عن القضاء على الفائدة ، وهذا ما سندرسه بتفصيل في بحث مقبل (5) .
   
وثالثا : أعطى لولي الأمر صلاحيات تجعل له الحق في الرقابة الكاملة على سير التداول والإشراف على الأسواق ، للحيلولة دون أي تصرف يؤدي إلى الضرر وزعزعة الحياة الاقتصادية ، أو يمهد للتحكم الفردي غير المشروع في السوق وفي مجال التداول (6) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) الأصول من الكافي ج 2 ، ص 316 ، باب : حب الدنيا ، الحديث 6 ، مع اختلاف في العبارة .
( 2 ) لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 2 ، ص 30 .
( 3 ) التوبة / 34 و 35 . ( 4 ) لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 3 ، ص 438 .
( 1 ) القانون العام لمكافأة المصادر المادية للإنتاج ص 571 من الكتاب .
( 2 ) لاحظ جواهر الكلام ج 15 ، ص 422 ، وإيصال الطالب ج 10 ، ص 397 .
  
  
  
  
  
کتاب اقتصادنا لسيد الشهید محمد باقر الصدر قدس سره الشریف صفحة :  346 - 348.
last news
 
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved