معنى التوحيد في كلام أمير المؤمنين

معنى التوحيد في كلام أمير المؤمنين

الکاتب: السيد محمد حسين الطباطبائي

خلاصة :
     
في التوحيد والخصال بإسناده عن المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه قال : إنّ إعرابيّاً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتقول : إنّ الله واحد ؟ قال : فحمل الناس عليه وقالوا : يا إعرابي أَمَا ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب ؟

نص المقال :

     
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( دَعُوْه ، فإنّ الذي يريده الإعرابي هو الذي نريده من القوم) ! ثمّ قال : يا إعرابي ، إنّ القول في إنّ الله واحد على أربعة أقسام : فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يَثبتان فيه ، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : ( واحد ) ، يَقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أَمَا ترى أنّه كُفْر مَن قال : إنّه ثالث ثلاثة ؟ وقول القائل : ( هو واحد من الناس ) ، يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز ؛ لأنّه تشبيه ، وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلك .
وأمّا الوجهان اللذان يَثبتان فيه فقول القائل : ( هو واحد ليس له في الأشياء شبه ) ، كذلك ربّنا ، وقول القائل : ( إنّه عزّ وجل أحديّ المعنى ، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وَهْم ، كذلك ربّنا عزّ وجل ) .


أقول: ورواه أيضاً في المعاني بسند آخر عن أبى المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه عنه (عليه السلام).

وفي النهج :

( أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاَصُ لَهُ ، وَكَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ؛ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ ، فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ) ( الخطبة ) .

أقول :
وهو من أبدع البيان ، ومحصّل الشطر الأوّل من الكلام أنّ معرفته تنتهي في استكمالها إلى نفي الصفات عنه ، ومحصّل الشطر الثاني المتفرّع على الشطر الأوّل ـ أعني قوله (عليه السلام) : ( فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ ... إلخ ) ـ أنّ إثبات الصفات يستلزم إثبات الوحدة العددية المتوقّفة على التحديد غير الجائز عليه تعالى ، وتنتج المقدّمتان أنّ كمال معرفته تعالى يستوجب نفي الوحدة العددية منه ، وإثبات الوحدة بمعنى آخر ، وهو مراده (عليه السلام) من سرد الكلام .

أمّا مسألة نفي الصفات عنه ، فقد بيّنه (عليه السلام) بقوله : ( أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ) ؛ لظهور أنّ مَن لم يعرف الله سبحانه ـ ولو بوجهٍ ـ لم يحلّ بعد في ساحة الدين والمعرفة ، ربّما كانت مع عمل بما يرتبط به من الأفعال وترتّب آثار المعروف ، وربّما كانت من غير عمل ، ومِن المعلوم أنّ العلم فيما يتعلّق نوع تعلّق بالأعمال إنّما يثبت ويستقرّ في النفس إذا ترتّب عليه آثاره العملية ، وإلاّ فلا يزال العلم يضعف بإتيان الأعمال المخالِفة حتى يبطل أو يصير سُدىً لا أثر له ، ومِن كلامه (عليه السلام) في هذا الباب ـ وقد رواه في النهج ـ : ( الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاَّ ارْتَحَلَ عَنْهُ ) .

فالعلم والمعرفة بالشيء إنّما يكمل إذا أخذ العارف معروفه صِدْقاً ، وأظهر ذلك في باطنه وظاهره ، وجِنانه وأركانه بأنْ يخضع له روحاً وجسماً ، وهو الإيمان المنبسط على سِرّه وعلانيته ، وهو قوله : ( وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ) .

ثمّ هذا الخضوع المسمّى بالتصديق به وإنْ جاز تحقّقه مع إثبات الشريك للربّ المخضوع له كما يخضع عبدة الأصنام لله ولسائر آلهتهم جميعاً ، لكنّ الخضوع بشيء لا يتمّ من غير انصراف عن غيره بالبداهة ، فالخضوع لواحد من الآلهة في معنى الإعراض عن غيره والاستكبار في الجملة عنه ، فلا يكمل التصديق بالله والخضوع لمقامه إلاّ بالإعراض عن عبادة الشركاء ، والانصراف عن دعوة الآلهة الكثيرة ، وهو قوله : ( وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ ) .

ثمّ إنّ للتوحيد مراتب مختلفة بعضها فوق بعض ، ولا يكمل حتى يُعطَى الإله الواحد حقّه من الإلوهية المنحصرة ، ولا يقتصر على مجرّد تسميته إلهاً واحداً ، بل يَنسب إليه كلّ ما له نصيب من الوجود والكمال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع ، وأنْ يخصّ الخضوع والعبادة به ، فلا يُتذلّل لغيره بوجهٍ من الوجوه ، بل لا يُرجَى إلاّ رحمته ، ولا يُخاف إلاّ سخطه ، ولا يُطمع إلاّ فيما عنده ، ولا يُعكَف إلاّ على بابه .

وبعبارة أُخرى : أنْ يخلص له عِلْماً وعملاً ، وهو قوله (عليه السلام) : ( وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاَصُ لَهُ ) .

وإذا استوى الإنسان على أريكة الإخلاص ، وضمّتْه العناية الإلهيّة إلى أولياء الله المقرّبين ، لاحتْ على بصيرته لوائح العجز عن القيام بحقّ المعرفة ، وتوصيفه بما يليق بساحة كبريائه وعظمته ، فإنّه ربّما شاهد أنّ الذي يصفه تعالى به معانٍ مدركة ممّا بين يديه من الأشياء المصنوعة ، وأُمور ألِفَهَا من مشهوداته الممكنة ، وهى صور محدودة مقيّدة يدفع بعضها بعضاً ، ولا تقبل الائتلاف والامتزاج ، انظر إلى مفاهيم الوجود والعلم والقدرة والحياة والرزق والعزة والغنى وغيره .

والمعاني المحدودة يدفع بعضها بعضاً ؛ لظهور كون كل مفهوم خلوّاً عن المفهوم الآخر كمعنى العلم عن معنى القدرة ، فإنّا حينما نتصوّر العلم نصرف عن القدرة فلا نجد معناها في معنى العلم ، وإذا تصوّرنا معنى العلم ـ وهو وصف من الأوصاف ـ ننعزل عن معنى الذات وهو الموصوف .

فهذه المفاهيم والعلوم والإدراكات تقصر عن الانطباق عليه جلّ شأنه حقّ الانطباق ، وعن حكاية ما هو عليه حقّ الحكاية ، فتمسّ حاجة المخلص في وصفه ربّه إلى أنْ يعترف بنقصٍ لا علاج له ، وعجزٍ لا جابر دونه ، فيعود فينفي ما أثبته ، ويَتِيْه في حيرة لا مخلص منها ، وهو قوله (عليه السلام): (وَكَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ؛ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ).

وهذا الذي فسّرنا به هذا العقد من كلامه (عليه السلام) هو الذي يؤيّده أوّل الخطبة حيث يقول : ( الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ ) على ما يظهر للمتأمّل الفطن .

وأمّا قوله (عليه السلام) : ( فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ ... الخ ) ، فهو توصّل منه إلى المطلوب ـ وهو أنّ الله سبحانه لا حدّ له ولا عدّ ـ من طريق تحليل إثبات الوصف ، كما كان البيان الأوّل توصّلاً منه من طريق تحليل المعرفة إلى نفي الوصف .

فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ
؛ لِمَا عرفتَ من المغايرة بين الموصوف والصفة ، والجمع بين المتغايرين قَرْنٌ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ؛ لأخْذه إيّاه موصوفاً وصفة وهما اثنان ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ إلى جزأين ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ بالإشارة إليه إشارة عقلية ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ؛ لكون الإشارة مستلزمة لانفصال المُشار إليه عن المُشِيْر حتّى تتوسّط بينهما الإشارة التي هي إيجاد بعد ما بين المُشِيْر والمُشَار إليه ـ يبتدئ من الأوّل وينتهي إلى الثاني ـ وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وجعله واحداً عدديّاً ، لأنّ العدد لازم الانقسام والانعزال الوجودي ، تعالى الله عن ذلك .

وفي النهج : من خطبة له (عليه السلام) :

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً ، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً ، كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ ، وَكُلُّ عَزِيزٍ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ ، وَكُلُّ قَوِيٍّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ ، وَكُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ ، وَكُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ ، وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَزُ ، وَكُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الأَصْوَاتِ وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا ، وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الأَلْوَانِ وَلَطِيفِ الأَجْسَامِ ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ بَاطِنٌ ، وَكُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ ) .

أقول : بناء البيان على كونه تعالى غير محدود وكون غيره محدوداً ، فإنّ هذه المعاني والنعوت وكل ما كان من قبيلها إذا طرا عليها الحدّ كانت لها إضافة ما إلى غيرها ، ويستوجب التحدّد حينئذ أنْ تنقطع وتزول عمّا أضيفتْ إليه ، وتتبدّل إلى ما يقابلها من المعنى .

فالظهور إذا فُرض محدوداً كان بالنسبة إلى جهة أو إلى شيء دون جهة أخرى وشيء آخر ، وصار الأمر الظاهر باطناً خفيّاً بالنسبة إلى تلك الجهة الأخرى والشيء الأخر ، والعزّة إذا أخذتْ بحدٍّ بطلتْ فيما وراء حدّها فكانت ذلّة بالنسبة إليه ، والقوّة إذا كانت مقيّدة تبدّلتْ بالنسبة إلى ما وراء قيدها ضعفاً ، والظهور بطون في غير محلّه ، والبطون ظهور في الخارج عن مستواه .

والملك إذا كان محدوداً كان مَن يحدّه مُهيمِناً على هذا المالك ، فهو وملْكه تحت ملك غيره ، والعلم إذا كان محدوداً لم يكن من صاحبه ؛ لأنّ الشيء لا يحدّ نفسه ، فكان بإفاضة الغير وتعليمه ، وهكذا .

والدليل على أنّه (عليه السلام) بنى بيانه على معنى الحدّ قولُهُ : ( وَكُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الأَصْوَاتِ ... الخ ) ، فإنّه وما بعده ظاهر في الإشارة إلى محدوديّة المخلوقات ، والسياق واحد .

وأمّا قوله (عليه السلام) : ( كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ ) ـ والجملة هي المقصودة من نقل الخطبة ـ فبناؤه على معنى الحدّ ظاهر ، فإنّ الوحدة العددية المتفرّعة على محدودية المسمّى بالواحد لازمه تقسّم المعنى وتكثّره ، وكلّما زاد التقسّم والتكثّر أمعن الواحد في القلّة والضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة ، فكلّ واحد عددي فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي بإزائه ولو بالفرض .

وأمّا الواحد الذي لا حدّ لمعناه ولا نهاية له فلا يحتمل فرض الكثرة ؛ لعدم احتماله طروّ الحدّ وعروض التميّز ولا يشذّ عن وجوده شيء من معناه حتى يكثّره ويَقوى بضمّه ، ويقلّ ويضعف بعزله ، بل كلّما فُرض له ثان في معناه فإذا هو هو .

وفي النهج : ومن خطبةٍ له (عليه السلام) :

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ ، لاَ تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ ، وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ ؛ لافْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوعِ ، وَالْحَادِّ وَالْمَحْدُودِ ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ ، الأَحَدِ بِلا تَأْوِيلِ عَدَدٍ ، وَالْخَالِقِ لاَ بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ ، وَالسَّمِيعِ لاَ بِأَدَاةٍ ، وَالْبَصِيرِ لاَ بِتَفْرِيقِ آلَةٍ ، وَالشَّاهِدِ لاَ بِمُمَاسَّةٍ ، وَالْبَائِنِ لاَ بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ ، وَالظَّاهِرِ لا بِرُؤْيَةٍ ، وَالْبَاطِنِ لاَ بِلَطَافَةٍ ، بَانَ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَبَانَتِ الأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ ، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ) .

أقول : أوّل كلامه (عليه السلام) مبني على أنّ جميع المعاني والصفات المشهودة في الممكنات أمور محدودة لا تتمّ إلاّ بحادٍّ يحدّها وصانع يصنعها ، وربّ يربّها ، وهو الله سبحانه ، وإذ كان الحدّ مِن صُنْعِهِ فهو متأخّر عنه غير لازم له ، فقد تنزّهتْ ساحة كبريائه عن هذه الحدود .

وإذا كان كذلك كان ما يوصف به من الصفات غير محدود بحدّ ـ وإنْ كان لفظنا قاصراً عنه ، والمعنى غير وافٍ به ـ فهو تعالى أحد لا بتأويل عدد يقضى بالمحدودية ، وعلى هذا النهج خلْقه وسمْعه وبصره وشهوده وغير ذلك .

ومن فروع ذلك أنّ بينونته من خَلْقه ليس بمعنى الانفصال والانعزال ، تعالى عن الاتصال والانفصال والحلول والانعزال ، بل بمعنى قَهْره لها وقدرته عليها ، وخضوعهم له ورجوعهم إليه .

وقوله (عليه السلام) : ( مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ) فرع على إثبات الوحدة العددية إبطال الأزل ؛ لأنّ حقيقة الأزل كونه تعالى غير متناهٍ في ذاته وصفاته ، ولا محدود ، فإذا اعتبر من حيث إنّه غير مسبوق بشيء يتقدّم عليه كان هو أزله ، وإذا اعتبر من حيث إنّه غير ملحوق بشيء يتأخّر عنه كان هو أَبَده ، وربّما اعتبر من الجانبَين فكان دوام .

وأمّا ما يظهر من عدّة من الباحثين أنّ معنى كونه تعالى أزليّاً أنّه سابق متقدّم على خَلْقه المحدِث تقدّماً في أزمنة غير متناهية لا خبر فيها عن الخلق ولا أثر منهم ، فهو من أشنع الخطأ ، وأين الزمان الذي هو مقدار حركة المتحرّكات والمشاركة معه تعالى في أزله ؟!

وفي النهج : ومِن خطبةٍ له (عليه السلام) :

 ( الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ ، وَسَاطِحِ الْمِهَادِ ، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ ، وَمُخْصِبِ النِّجَادِ ، لَيْسَ لأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ ، وَلا لأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ ، هُوَ الأَوَّلُ وَلَمْ يَزَلْ ، وَالْبَاقِي بِلا أَجَلٍ ، خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ ، وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ ، حَدَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا ، لاَ تُقَدِّرُهُ الأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ ، وَلاَ بِالْجَوَارِحِ وَالأَدَوَاتِ ، لاَ يُقَالُ لَهُ مَتَى ، وَلاَ يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى ، الظَّاهِرُ لاَ يُقَالُ : مِمَّ ؟ وَالْبَاطِنُ لاَ يُقَالُ : فِيمَ ؟ لاَ شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى ، وَلاَ مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى ، لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ ، وَلاَ كُرُورُ لَفْظَةٍ ، وَلاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَةٍ ، وَلا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ ، فِي لَيْلٍ دَاجٍ ، وَلاَ غَسَقٍ سَاجٍ ، يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الأُفُولِ وَالْكُرُورِ ، وَتَقَلُّبِ الأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ ، وَإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ ، قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةِ ، وَكُلِّ إِحْصَاءٍ وَعِدَّةٍ ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأَقْدَارِ ، وَنِهَايَاتِ الأَقْطَارِ ، وَتَأَثُّلِ الْمَسَاكِنِ ، وَتَمَكُّنِ الأَمَاكِنِ ، فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ ، لَمْ يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ ، وَلاَ مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُوْرَتَهُ ) .

وفي النهج : من خطبة له (عليه السلام) :

( مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ ، وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ ، وَلا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ ، وَلاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَتَوَهَّمَهُ كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ ، وَكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ ، فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَةٍ ، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَةٍ ، غَنِيٌّ لاَ بِاسْتِفَادَةٍ ، لاَ تَصْحَبُهُ الأَوْقَاتُ ، وَلاَ تَرْفِدُهُ الأَدَوَاتُ ، سَبَقَ الأَوْقَاتَ كَوْنُهُ ، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ ، وَالابْتِدَاءَ أَزَلُهُ ، بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ ، وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ ، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ ، مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا ، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا ، مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا ، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا ، لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍّ ، وَلاَ يُحْسَبُ بِعَدٍّ ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا ، وَتُشِيرُ الآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا ، مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) الْقِدْمَةَ ، وَحَمَتْهَا (قَدُ) الأَزَلِيَّةَ ، وَجَنَّبَتْهَا (لَوْلاَ) التَّكْمِلَةَ ، بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ ، ولاَ يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ ، وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ ؟ وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ ؟ وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ؟ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ، وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الأَزَلِ مَعْنَاهُ ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ ، وَلالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ ، وَإِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ ) .

أقول :

أوّل كلامه (عليه السلام) مسوق لبيان امتناع ذاته المقدّسة عن الحد ، ولزمه في جميع ما عداه ، وقد تقدّم توضيحه الإجمالي فيما تقدّم .

وقوله : ( لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍّ ، وَلاَ يُحْسَبُ بِعَدٍّ ) كالنتيجة لما تقدّمه من البيان ، وقوله : ( وَإِنَّمَا تَحُدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا ، وَتُشِيرُ الآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا ) بمنزلة بيان آخر لقوله : ( لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍّ ... إلخ ) ، فإنّ البيان السابق إنّما سِيْق من مسلك أنّ هذه الحدود المستقرّة في المصنوعات ، مجعولة للذات المتعالية ، متأخّرة عنها تأخّر الفعل عن فاعله ، فلا يمكن أنْ تتقيّد بها الذات إذ كان ذات ولا فعل .

وأمّا ما في قوله : ( وَإِنَّمَا تَحُدُّ ... إلخ ) من البيان ، فهو مسوق من طريق آخر ، وهو أنّ التقدير والتحديد الذي هو شأن هذه الأدوات والحدود إنّما هو بالمسانخة النوعية ، كما أنّ المثقال الذي هو واحد الوزن مثلاً توزن به الأثقال دون الألوان والأصوات مثلاً ، والزمان الذي هو مقدار الحركة إنّما تُحدّ به الحركات ، والإنسان مثلاً إنّما يقدّر بما له من الوزن الاجتماعي المتوسّط مثلاً مَن يماثله في الإنسانيّة ، وبالجملة كل حدّ مِن هذه الحدود يُعطي لمحدوده شبيه معناه ، وكلّ صفة إمكانية ـ كائنة ما كانت ـ مبنية على قدر وحدّ ، وملزومة لأمدٍ ونهاية ، وكيف يمكن أنْ يُحمل معناها المحدود على ذات أزليّة أبديّة غير متناهية ؟

فهذا هو مراده (عليه السلام) ؛ ولذلك أردفه بقوله : ( مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) الْقِدْمَةَ ... إلخ ) ، أي صدق كلمة (مُنْذُ) وكلمة (قَدُ) الدالّتين على الحدوث الزماني ، على الأشياء منعتْها وحمتْها أنْ تتّصف بالقِدْمَة ، وكذلك صدق كلمة (لَوْلاَ) في الأشياء ، وهى تدلّ على النقص ، واقتران المانع جنّبتها وبعّدتها أنْ تكون كاملة مِن كل وجه .

وقوله : ( بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ ) الضميران للأشياء ، أي إنّ الأشياء بما هي آيات له تعالى والآية لا ترى إلاّ ذا الآية فهي كالمرائي لا تجلي إلاّ إيّاه تعالى ، فهو بها تجلّى للعقول وبها أيضاً امتنع عن نظر العيون ؛ إذ لا طريق إلى النظر إليه تعالى إلاّ هذه الآيات وهى محدودة لا تَنال إلاّ مثلها ، لا ربّها المحيط بكل شيء .

وهذا المعنى بعينه هو الموجب لامتناعه عن نظر العيون فإنها آلات مركبة مبنية على الحدود لا تعمل إلا في المحدود ، وجلت ساحة رب العزة عن الحد .

وقوله (عليه السلام) : ( لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ ... إلخ ) ، بمنزلة العَوْد إلى أوّل الكلام ببيان آخر يبيّن به أنّ هذه الأفعال والحوادث التي هي تنتهي إلى الحركة والسكون لا تجرى عليه ، ولا تعود فيه ولا تحدث ، فإنّها آثاره التي تترتّب على تأثيره في غيره ، ومعنى تأثير المؤثّر توجيهه أثره المتفرّع على نفسه إلى غيره ، ولا معنى لتأثير الشيء في نفسه إلاّ بنوعٍ من التجزّي والتركيب العارِض لذاته ، كالإنسان مثلاً يدبر بنفسه بَدَنَه ، ويضرب بيده على رأسه ، والطبيب يداوى بطبّه مرضه ، فكلّ ذلك إنّما يصحّ لاختلاف في الأجزاء أو الحيثيّات ، ولولا ذلك لامتنع وقوع التأثير .

فالقوّة الباصرة مثلاً لا تُبْصِر نفسَها ، والنار لا تحرق ذاتها ، وهكذا جميع الفواعل لا تفعل إلاّ في غيرها ، إلاّ مع التركيب والتجزئة كما عرفتَ ، وهذا معنى قوله : ( إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ، وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الأَزَلِ مَعْنَاهُ ... إلخ ) .

وقوله (عليه السلام) : ( وَإِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ ) ، أي إذا لَزمه النقص من تطرّق هذه الحدود والأقدار عليه ، والنقص من علائم المصنوعية وأمارات الإمكان كان ـ تعالى وتقدس ـ مقارِناً لِمَا يدلّ على كونه مصنوعاً وكان نفسه كسائر المصنوعات دليلاً على موجود آخر أزلي كامل الوجود غير محدود الذات ، هو الإله المنزّه عن كلّ نقص مفروض ، المتعالي عن أنْ تناله أيدي الحدود والأقدار .

واعلم أنّ ما يدلّ عليه قوله ـ من كون الدلالة هي من شؤون المصنوع الممكن ـ لا ينافى ما يُستفاد من سائر كلامه وكلام سائر أئمّة أهل البيت عليهم السلام : أنّه تعالى معلوم بنفس ذاته ، وغيره معلوم به ، وأنّه دالّ على ذاته ، وهو الدليل على مخلوقاته ، فإنّ العلم غير العلم والدلالة غير الدلالة ، وأرجو أنْ يوفّقني الله تعالى لإيضاحه وبَسْط الكلام فيه في بعض ما يرتبط به من الأبحاث الآتية، إنْ شاء الله العزيز.

وفي التوحيد بإسناده عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال : بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يُقال له ( ذعلب ) ذَرِب اللسان ، بليغ في الخطاب ، شجاع القلب فقال : يا أمير المؤمنين ، هل رأيتَ رَبّك ؟

فقال : ( ويلك يا ذعلب ، لم أكن لأعْبُدَ رَبّاً لم أَرَه !

فقال : يا أمير المؤمنين كيف رأيتَه ؟

قال : يا ذعلب ، لم تَرَه العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكنْ رأتْهُ القلوبُ بحقائق الإيمان ، ويلك يا ذعلب ، إنّ ربّي لطيفُ اللطافة فلا يُوصَفُ باللطفِ ، عظيمُ العظمةِ لا يُوصَف بالعظم ، كبيرُ الكبرياءِ لا يُوصَف بالكبر ، جليلُ الجلالةِ لا يُوصَف بالغلظ ، قَبْل كل شيء لا يُقال شيء قَبْله ، وبعد كل شيء لا يُقال له بعد ، شاء الأشياء لا بهمّة ، درّاك لا بخديعة ، هو في الأشياء غير متمازج بها ولا بائن عنها ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجلّ لا باستهلال رؤية ، بائن لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسّم ، موجود لا بَعْدَ عَدَم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة ، لا تحويه الأماكنُ ، ولا تَصحبه الأوقات ، ولا تحدّهُ الصفاتُ ، ولا تأخذُهُ السِنَات ، سبق الأوقات كونُه ، والعدمَ وجودُه ، والابتداءَ أزلُه ، بتشعيره المشاعر عُرف أنْ لا مشعرَ له ، وبتجهيره الجواهرَ عُرف أنْ لا جوهرَ له ، وبمضادّته بين الأشياء عُرف أنْ لا ضِدّ له ، وبمقارنتِهِ بين الأشياء عُرفَ أنْ لا قرينَ له ، ضادُّ النور بالظلمة ، والجسوء بالبَلَل ، والصَّرَدِ بالْحَرُورَ ، مؤلّف بين متعادياتها ، مفرّق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على مُفرّقها ، وبتأليفها على مؤلّفها ، وذلك قوله عزّ وجلّ : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ، ففرّقَ بها بين قبل وبعد ؛ ليُعلَم أنْ لا قبل له ولا بعد ، شاهدةٌ بغرائزها أنْ لا غريزة لمغرِزها ، مخبرةٌ بتوقيتها أنْ لا وقت لموقّتها ، حَجَبَ بعضَها عن بعض ؛ ليُعلمَ أنْ لا حِجَابَ بينه وبين خَلْقهِ غير خلقه ، كان رَبّاً ولا مربوب ، وإلهاً إذ لا مَأْلُوه ، وعالِمَاً إذ لا معلوم ، وسميعاً إذ لا مسموع .


ثمّ أنشأ يقول :

ولَمْ يزلْ سيدي بالحمْدِ iiمعروفاً      ولَمْ  يَزَلْ سيدي بِالجُوْدِ iiمَوْصُوفَاً

وَكَـانَ إِذْ لَيْسَ نُوْرٌ يُسْتَضَاءُ iiبِهِ      وَلاَ ظَـلاَمٌ عَـلَى الآفاقِ iiمَعْكُوفَاً

فَـرَبُّنَا بِـخَلاَفِ الـخَلْقِ كُـلِّهِم      وكُلُّ مَا كَانَ فِي الأوْهَامِ مَوْصُوْفَاً

الأبيات .

أقول :

وكلامه (عليه السلام) ـ كما ترى ـ مسوق لبيان معنى أَحَدِيّة الذات في جميع ما يصدُق عليه ويرجع إليه ، وأنّه تعالى غير متناهي الذات ولا محدودها ، فلا يقابل ذاته وإلاّ لهدّده بالتحديد وقَهَرَه بالتقدير ، فهو المحيط بكل شيء ، المهيمن على كلّ أمر ، ولا يلحقه صفة تمتاز ذاته ، فإنّ في ذلك بطلان أزليّته وعدم محدوديّةٍ .

وأنّ صفته تعالى الكمالية غير محدودة بحدّ يدفع الغَيْر أو يدفعه الغير ، كما أنّ العلم فينا غير القدرة ؛ لِمَا بينهما من المدافعة مفهوماً ومصداقاً ، ولا تَدَافُعَ بينهما فيه تعالى ، بل الصفة عين الصفة وعين كل صفة من صفاته العليا ، والاسم عين كل اسم من أسمائه الحسنى .

بل إنّ هنا لك ما هو ألطف معنى وأبعد غَوراً من ذلك ، وهو أنّ هذه المعاني والمفاهيم للعقل بمنزلة الموازين والمكائيل يُوزَن ويُكتال بها الوجود الخارجي والكون الواقعي ، فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإنْ ضممنا بعضها إلى بعض ، واستمددنا من أحدها للآخر ، لا يُغترَف بأوعيتها إلاّ ما يقاربها في الحدّ ، فإذا فرضنا أمراً غير محدود ثمّ قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم نَنَلْ منه إلاّ المحدود وهو غيره ، وكلّما زدنا في الإمعان في نَيْلِهِ زاد تعالياً وابتعاداً .

فمفهوم العلم مثلاً هو معنىً أخذناه مِن وصْف محدود في الخارج نعدّه كمالاً لِمَا يوجد له ، وفى هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أنْ يشمل القدرة والحياة مثلاً ، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثمّ عدلنا محدوديّته بالتقييد في نحو قولنا : عِلْم لا كالعلوم ، فهب أنّه يخلص من بعض التحديد ، لكنّه بعد مفهوم لا ينعزل عن شأنه وهو عدم شموله ما وراءه ( ولكل مفهوم وراء يقصر عن شموله ) وإضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدّي إلى بطلان خاصّة المفهوميّة ، وهو ظاهر .

وهذا هو الذي يحيّر الإنسان اللبيب في توصيفه تعالى بما يثبته له لبّه وعقله ، وهو المستفاد من قوله (عليه السلام) : ( لا تحدّه الصفات ) ، ومن قوله فيما تقدّم من خطبته المنقولة : ( وكمالُ الإخلاصِ لَه نَفْي الصِفَات عَنْه ) ، وقوله أيضاً في تلك الخطبة : ( الذي ليس لصفته حدّ ٌمحدود ، ولا نَعْتٌ موجود ) ، وأنت ترى أنّه (عليه السلام) يثبت الصفة في عين أنّه ينفيها ، أو ينفي حدّها ، ومن المعلوم أنّ إثباتها هي لا تنفكّ عن الحدّ ، فنفي الحدّ عنها إسقاط لها بعد إقامتها ، ويؤول إلى أنّ إثبات شيء من صفات الكمال فيه لا ينفى ما وراءها فَتَتَّحِد الصفات بعضها مع بعض ثمّ تَتَّحِد مع الذات ولا حَدّ ، ثمّ لا ينفى ما وراءها ممّا لا مفهوم لنا نحكي عنه ، ولا إدراك لنا يتعلّق به ، فافهم ذلك .

ولولا أنّ المفاهيم تسقط عند الإشراف على ساحة عظمته وكبريائه بالمعنى الذي تقدّم ، لأمكن للعقل أنْ يحيط به بما عنده من المفاهيم العامّة المبهمة كوصفه بأنّه ذات لا كالذوات ، وله علم لا كالعلوم ، وقدرة لا كقدرة غيره ، وحياة لا كسائر أقسام الحياة ، فإنّ هذا النحو من الوصف لا يدع شيئاً إلاّ أحصاه وأحاطه به إجمالاً ، فهل يمكن أنْ يحيط به سبحانه شيءٌ ؟ أو أنّ الممنوع هو الإحاطة به تفصيلاً ، وأمّا الإحاطة الإجمالية فلا بأس بها ؟ وقد قال تعالى: ( ... وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) . ( سورة طه : الآية : 110 )

وقال : ( ... أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) . ( سورة حم السجدة : الآية : 54 )

والله سبحانه لا يحيط به شيء من جهة من الجهات بنحو من أنحاء الإحاطة ، ولا يقبل ذاته المقدّسة إجمالاً وتفصيلاً حتى يتبعّض فيكون لإجماله حكم ولتفصيله حكم آخر ، فافهم ذلك .

وفي الاحتجاج عنه (عليه السلام) في خطبةٍ :

( دليلُهُ آياتُه ، ووجودُهُ إثباتُهُ ، ومعرفتُهُ توحيدُهُ ، وتوحيدُهُ تمييزُهُ مِن خَلْقه ، وحكم التمييز بينونةُ صفةٍ لا بينونة عزْلةٍ ، إنّه ربّ خالق غير مربوب مخلوق ، ما تُصوِّر فهو بخلافه ـ ثمّ قال (عليه السلام) : ـ ليس بإله من عرّف بنفسه ، هو الدّال بالدليل عليه ، والمؤدّى بالمعرفة إليه ) .

أقول :

التأمّل فيما تقدّم يوضّح أنّ الخطبة مسوقة لبيان كون وحدته تعالى وحدة غير عدديّة لصراحته في أنّ معرفتَه تعالى عَيْنُ توحيده ، أي إثبات وجوده عين إثبات وحْدته ، ولو كانت هذه الوحدة عددية لكانت غير الذات ، فكانت الذات في نفسها لا تفي بالوحدة إلاّ بموجب من خارج عن جهة ثبوت الذات .

وهذا من عجيب المنطق وأبلغ البيان في باب التوحيد الذي يحتاج شرحه إلى مجال وسيع لا يسعه طراز البحث هنا ، ومن ألطف المقاصد الموضوعة فيه قوله (عليه السلام) : ( وجوده إثباته ) ، يريد به أنّ البرهان عليه نفس وجوده الخارجي ، أي إنّه لا يدخل الذهن ، ولا يسعه العقل .

قوله : ( ما تُصوِّر فهو بخلافه ) ليس المراد به أنّه غير الصورة الذهنية ، فإنّ جميع الأشياء الخارجية على هذا النعت ، بل المراد أنّه تعالى بخلاف ما يكشف عنه التصوّر الذهني أيّاً ما كان ، فلا يحيط به صورة ذهنية ، ولا ينبغي لك أنْ تغفل عن أنّه أَنْزَه ساحةٍ حتى مِن هذا التصوّر أعنى تصوّر أنّه بخلاف كلّ تصوّر .

وقوله : ( ليس بإله مَن عرّف بنفسه ) ، مسوق لبيان جلالته تعالى عن أنْ يتعلّق به معرفة ، وقهره كل فَهْم وإدراك ، فإنّ كل مَن يتعلّق بنفسه معرفتنا ، هو في نفسه غير نفسنا ومعرفتنا ، ثمّ يتعلّق به معرفتُنا ، لكنّه تعالى محيط بنا وبمعرفتنا ، قيّم على ذلك ، فلا معصم تعتصم به أنفسنا ولا معرفتنا عن إحاطة ذاته وشمول سلطانه حتى يتعلّق به تعلّق منعزل بمنعزل .

وبين (عليه السلام) ذلك بقوله : ( هو الدّال بالدليل عليه ، والمؤدّى بالمعرفة إليه ) ، أي إنّه تعالى هو الدليل يدلّ الدليل على أنْ يدلّ عليه ، ويؤدّي المعرفة إلى أنْ يتعلّق به تعالى نوع تعلّق لمكان إحاطته تعالى وسلطانه على كل شيء ، فكيف يمكن لشيء أنْ يهتدي إلى ذاته ليحيط به وهو محيط به وباهتدائه .

وفي المعاني بإسناده عن عمر بن على عن على (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ( التوحيدُ ظاهرُهُ فِي باطِنِهِ ، وباطنُهُ فِي ظاهِرِهِ ، ظاهرُهُ موصوفٌ لا يُرَى ، وباطِنُهُ موجودٌ لا يَخفى ، يُطْلَبُ بكلّ مكان ، ولم يَخْلُ عنه مكان طرفة عين ، حاضر غير محدود ، وغائبٌ غير مفقود ) .

أقول :


كلامه  (صلّى الله عليه وآله) مسوق لبيان وحدته تعالى غير العدديّة المبنيّة على كونه تعالى غير محدود بحدٍّ ، فإنّ عدم المحدودية هو الموجِب لعدم انعزال ظاهر توحيده وتوصيفه تعالى عن باطنه ، وباطنه عن ظاهره ، فإنّ الظاهر والباطن إنّما يتفاوتان وينعزل كل منهما عن الآخر بالحدّ ، فإذا ارتفع الحدّ اختلطا واتّحدا .

وكذلك الظاهر الموصوف إنّما يُحاط به ، والباطن الموجود إنّما يخفى ويتحجّب إذا تحدّدا فلم يتجاوز كلٌ منهما حدَّه المضروب له ، وكذلك الحاضر إنّما يكون محدوداً مجموعاً وجوده عند مَن حضر عنده ، والغائب يكون مفقوداً لمكان المحدودية ، ولولا ذلك لم يجتمع الحاضر بتمام وجوده عند مَن حضر عنده ، ولم يستر الغائب حجاب الغيبة ولا ساتر دونه عمّن غاب عنه ، وهو ظاهر .
last news
 
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved