حج في احادیث الامام الخامنئي (2)


  
  
 
بيت الله الحرام هذه الأيام يستضيف مرةً أخرى سيولَ القلوب المتلهفة المشتاقة ، التي هوت إلى كعبة الآمال من كلّ فجّ عميق.. حيث الملايين تستشعر الوحدة والوئام في ظل عبودية الله الواحد القهّار; وحيثُ العيونُ التي تسخو بدموعها وهي تقف على ربوع النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) وأولياء الله(عليهم السلام) والمجاهدين والعظام في تاريخ الإسلام; وحيث الأرواحُ تصفو وتشرق في ظلّ معنوية بيت الله الحرام وحريم تربة المصطفى عليه وعلى آله آلاف التحية والسلام وحيث الأيدي المتضرّعةُ التي تسوق قوافل حاجتها ورجائها الى ساحة الغنيّ العزيز ، وحيث المهمومون الذين يقفون على باب الحكيم; ليجدوا علاج هموم العالم الإسلامي ، وليجدوا من يحمل مثل همومهم من أرجاء المعمورة ، وحيث الضعفاءُ الذين يحسّون هناك بالقدرة والعظمة.
في هذه الأيام تعرض الأمة الإسلامية العظيمة مشهداً من أبُهّتها وعظمتها أمام أعين من لم يعرف قدرها، فتزيد المحبين أملا والأعداء خوفاً ، في هذه الأيام تهطل أمطار الرحمة والحكمة على العطشى، فتنتعش القلوب الكئيبة، وتتفتح والعقول الراكدة.
نعم، هذه الأيام هي للعالم الإسلامي والأمة الإسلامية أيام عيد وأيام ميعاد، وجدير بالمسلمين في كل أرجاء الأرض، وخاصة حجاج بيت الله الحرام، أن يغتنموها بقضاء ساعات وأوقات في التعبد والتعقل، وأن يعود من ظفر بفرصة الحج والزيارة الى دياره بيد مملوءة برحمة الله وحكمته، وبعزم جديد وإرادة صلبة تجاه مستقبله ومستقبل الأمة الإسلامية.
من بين الفرائض الدينية، يعدُّ الحج أكبر فريضة تجمع الجانبين الفردي والاجتماعي بشكل واضح جليّ.
الهدف في الجانب الفردي التزكية والوصول الى حالة الصفاء والإشراق والتحرر من الزخارف المادية التافهة، والخلوة مع الذات المعنوية ، والأنس بالله تعالى، والذكر والتضرّع والتوسّل إلى الحقّ سبحانه; ليجد الإنسان طريقه الى العبودية ، ويسير على هذا الطريق الذي هو صراط الله المستقيم نحو الكمال.
تنوّع الفرص والاختبارات في هذا الجانب كثير بحيث لو أراد شخص أن يجتازها بتوجّه وتدبّر فإنه ينال دون شك أعظمَ العطاء : فرصة الإحرام والتلبية، فرصة الطواف والصلاة، فرصة السعي والهرولة، فرصة الوقوف في عرفات والمشعر، فرصة الرمي والتضحية، وفرصة ذكر الله، تشكل كلّها جوّاً زاخراً بالروح والحياة يمتدّ على جميع هذه المراحل. مجموع هذه الفرص يمكن أن يوفّر لكلّ فرد دورةً قصيرة من الرياضة الشرعية، وتمريناً على الزهد والسلم والحلم ، وخصالا خلقية حميدة أخرى.
في الجانب الاجتماعي، الحجُّ من بين جميع الفرائض الإسلامية فريضةٌ فريدة; لأنه مظهر قوّة الأمة الإسلامية وعزّتها واتحادها، ولا ترقى إليه أية فريضة أخرى في قدرته على تلقين الأفراد دروساً وعبراً بشأن الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي، وعلى تقريبهم روحاً وواقعاً من القدرة والعزّة والوحدة . وشلّ هذا الجانب من الحج إنّما هو غلق نبع يفيض على المسلمين بمنافع لا يمكن تحقّقها من أية وسيلة أخرى.
الاقتدار الوطني في المجتمعات البشرية مفتاح النجاح والتطور ، والوسيلة اللازمة لتحقيق الحياة الطيبة لأفراد المجتمع. والمقصود بالاقتدار الوطني أن يتمتّع المجتمع والبلد بالأخلاق والعلم والثروة والنظام السياسي الفاعل والإرادة الشعبية. صحيح أنّ المجتمعات المقتدرة إن افتقدت التوجيه والإرشاد والعدالة فستكون علومها وثرواتها عاملا على طغيانها ، وعلى زوال أخلاقها وإرادتها ، وعلى دفعها نحو الانحطاط، كما تظهر اليوم أمارات ذلك في أمريكا ونظائرها، غير أنّ فقدان ذلك الاقتدار سيعجّل كثيراً من الانحدار في الانحطاط الأخلاقي والسياسي، وسيسلب الشعوب دنياها وآخرتها وعلمها وأخلاقها وكلّ شيء لديها. من هنا فإن تعاليم الإسلام السياسية والإجتماعية تتّجه جميعاً نحو اعتلاء الأمة الإسلامية سلّم الاقتدار والسيادة في الحقول العلمية والأخلاقية والسياسية والروحية والمادية. واليوم فإنّ المخلصين الواعين من قادة شعوب العالم يسعون إلى استثمار كلِّ الإمكانيات والطاقات المتاحة لتصعيد اقتدار شعوبهم.
الأمة الإسلاميّة الكبرى مع وجود عددها وعُدتها تفتقد العزّة والاقتدار على الساحة العالمية. كيف يمكن أن تستعيد عزّتها وقدرتها اللائقة بها؟ هذا السؤال يجب أن يتردّد على الألسنة وفي الأذهان لدى كلّ المسلمين ، خاصة القادة والمسؤولين والعلماء والمثقّفين والشخصيات الإسلامية، وأن يجدّوا للإجابة عنه.
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير سيدنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى الخيرة من أصحابه المنتجبين.
حلّ موسمُ الحجّ وهو يحمل بشائر أكبر لقاء سنوي للمسلمين، وجدير بقلوب آلاف المشتاقين ـ الذين نالوا فيض اللقاء في هذا الموسم ـ أن تخفق وتنتفض لإعداد نفسها، وجدير بالملايين من المسلمين الراجين ـ الذين لم يُدرجوا هذا العام في قائمة النائلين لهذا الفضل ـ أن يملأوا قلوبهم وأذهانهم بشذى وعبير استذكار كل لحظات أيام السعداء ويدعوا لهم ولأنفسهم، ليعيش كلّ المسلمين العارفين خلال أيام الحج ـ مع الحج وشعائره وآيات جلاله وجماله.
فريضةُ الحجّ كلّ عام تشكل حادثة كبرى من حقها أن تستقطب ـ في تلك الأيام المعلومات ـ الأفكار والاهتمامات والعقول والمشاعر في جميع أرجاء العالم الإسلامي، وأن يعيش المسلمون معها، ويفكروا فيها كلٌ بحسب موقعه الروحي والفكري والسياسي، ومن الطبيعي أن الذين نالوا فيض الحج يحتلون مركز هذا التكليف والتوقع. وإذا كانت أبدانهم وأرواحهم وأفكارهم ومساعيهم ممزوجة بالحج وبركاته وآثاره، فالأجدر أن يحصلوا على أكثر ما يمكن من العطاء المعنوي والروحي والفردي والاجتماعي لهذه الفريضة، وسيحصلون بإذن الله على ذلك.
بركاتُ الحجّ وإن كانت تستوعب كلّ جوانب الحياة البشرية، ويعمّ مطر رحمتها جميع المجالات ابتداءً من خلوة القلب والفكر، ومروراً بساحات السياسة والاجتماع وعزّة المسلمين وتعاون الشعوب المسلمة، فتثرها وتحييها وتبث فيها نشاط الحياة.. ولكن قد يمكن القول: إنّ مفتاح كلّ هذا هو «المعرفة»، وأولى هدايا الحج ـ لمن أراد أن يبصر الحقيقة ويستثمر ما ألهمه الله من قدرة على فهم «الظواهر» ـ هي المعرفة المتكاملة، التي ينفرد بها الحج، ولا يحصل عليها المسلمون عادة إلاّ من هذه الفريضة، ولا تستطيع أية ظاهرة دينية أخرى أن تقدم للأمة الإسلامية تلك المنظومة الكاملة من المعارف كما يقدمها الحج، ومن هذه المنظومة المتكاملة من المعارف:
معرفة الذات على الصعيد الفردي، ومعرفة الذات على صعيد الانتماء للأمة الإسلامية العظمى، ومعرفة النموذج الموجود في الحج من تلك الأمة الواحدة، ومعرفة عظمة الله ورحمته، ومعرفة العدو..
أيّها الحجاج الكرام . . . اُمتنا الإسلامية تمتلك اليوم أكثر مصادر النفط ، التي تعدُّ بدون مبالغة شريان حياة الحضارة العالمية الراهنة ، وهي اليوم موجودة في أرض العالم الإسلامي ، أكثر المناطق استراتيجية في العالم وتحت تصرّفكم كما أنّ القسم الأعظم من المصادر الأرضية الضرورية لبناء العالم في الحاضر والمستقبل تتوفر في بلدان المسلمين ، وأن خمس سكان العالم مسلمون ، كما أنّ أكبر الأسواق الاستهلاكية لمصنوعات البلدان التي فرضت نفسها على المسلمين تكون في بلدانكم ، هذا وأنّ ثقافة المسلمين الغنية العريقة وعلومهم ومعارفهم شكلت الدّفعة الأولى لاعتلاء الغربيين ذروة صرح علوم العالم المعاصر ، فللمسلمين حقّ الحياة على علوم الغرب وحضارته . . . ومع كلّ ذلك لا يمتلك المسلمون اليوم على الساحة العالمية وفي معترك السياسة الدولية أيّ دور في اتخاذ القرارات الكبرى وفي تعيين النظام الدولي ، وأفظع من ذلك فإنّ كثيراً من البلدان الإسلامية تنهج في سياستها الوطنية منهجاً ذيلياً تابعاً ، وتخضع لإحدى البلدان المستكبرة المتعنتة . . .حكوماتها عميلة ، وضعيفة النفس ، وشعوبها مضطهدة أو مغفلة ، وعلماؤها ومثقفوها مصابون بالخوف والتغافل ، وبحبّ البطر والراحة . . . وكانت النتيجة أن تبددت ثروات الأمة الإسلامية ، وأصبح تعيين مكانتهم السياسية بإشارة القوى المستكبرة ، وأن لا يحسب لعددهم وعدتهم حساب ، وأن تحرم الأمة الإسلامية من قسم عظيم من إمكاناتها ، وأن يستفيد أعداء الإسلام والمسلمين ، من تلك الامكانات للاضرار بالإسلام والمسلمين بينما كان ينبغي أن تستفيد الأمة الإسلامية الكبرى من كلّ ما تمتلكه من طاقات لاستحصال ما تستحقه من عزّة واقتدار .
إنّ الأوضاع الراهنة للعالم الإسلامي والحوادث والمحن التي أذاقت المسلمين القهر والمرارة ، كمأساة فلسطين المغتصبة وافغانستان وغيرها . . ووضع الأقليات المسلمة في بعض البلدان الأوربية . . كلها شواهد ناطقة على هذه الحقيقة المرّة . .
فعليكم أيها الحجاج الكرام أن تجعلوا فريضة الحج مؤتمراً تتداولون فيه تلك المشاكل والمحن ، وتتدارسون فيه أفضل السبل لحلّها ولتوعية شعوبكم بكل ذلك . .
فالأمة الإسلامية الكبرى تعدُّ أكبر سند للعالم الإسلامي وأن الشعوب المسلمة بوحدتها وتلاحمها وتفاهمها وبما فيها من ثروات طبيعية وخيرات كثيرة . . تذيب قلب كل مستكبر وتصم إذنه وتقصم ظهره . والحج هذه الفريضة المباركة ، يعرض لنا مظهراً جميلا ونموذجاً رائعاً لهذا السند العظيم .
معرفة عظمة الله ورحمته في الحجّ تعني التأمّل في رفع قواعد هذا البيت الذي هو بيت الله وهو في الوقت نفسه بيت الناس أيضاً .
{إنّ أوّل بيت وُضِعَ للنّاس لَلَّذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين} (1)
إنّه البقعة التي يتّجه إليها الإنسان الخاشع المتبتّل ، وإنّه أيضاً محلّ تجلّي عظمة الدين الإلهي . خليط من العظمة والصفاء والبساطة ، ذكرى أوّل نداء للتوحيد ومحطّ لتحقّق وحدة الكلمة ، يحمل آثار أقدم المجاهدين في صدر الإسلام الذين جاهدوا فيه وهم غرباء ، وهاجروا منه وهم مظلومون ، وعادوا إليه وهم فاتحون أعزاء ، وطهّروه من رجس جاهلية العرب ، ثمّ هو المعطّر بشذى المتهجدين ومحلّ سجود العابدين ، ومهوى قلوب الشاكرين ، إنّ مطلع فجر الإسلام في البلاد ومشرق طلوع المهدي الموعود في الخاتمة ، هو ملجأ القلوب المضطربة ومحطّ آمال النفوس المتبرّمة .
تشريع فريضة الحجّ وترتيب مناسكه يحمل دلائل العظمة ويحمل آيات الرحمة أيضاً . بهذه المعرفة تستيقظ القلوب وبمشاهدة الكعبة المشرّفة والمسجد الحرام بوعي يعود التائهون إلى الصراط المستقيم . .
معرفة العدو حصيلة كلّ هذه الألوان من «المعرفة» ومكملة للنفوس . وبدونها يكون قلب المسلم وذهنه بدون أسوار ضد الغزاة والخونة .
إنّ أعمال الحجّ ، ومنها رمي الجمار تجسيد للمعرفة ومقارعة العدو . والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)رفع الأذان في الحج ، وتليت آيات البراءة في موسم الحجّ بلسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) . ولو أنّ الأمّة الإسلامية تخلصت يوماً من وجود جحافل الأعداء وأمكن حدوث ذلك فإنّ البراءة ستفقد مبرّرها ولكن مع وجود الأعداء وعدوانهم الحالي فإنّ الغفلة عن العدوّ وإهمال البراءة منه خطأ كبير وخسارة فادحة . .
هذه المناسبة الخالدة التي يقدم الحجيج على أدائها ، تشكّل بنفسها مجموعة ناطقة معبّرة طافحة بالذكر والنشاط المعنوي والداخلي في إطار حركة وسعي وتنسيق بناء جماعي .
إنّ الحجّ ـ بتعاليمه المفعمة بالأسرار والرموز ، وبمظاهره الرائعة الجامعة بين العظمة والتذلل ، والاقتدار والتواضع ، والحركة الداخليّة والخارجيّة ـ تجسيد لجهاد الإنسان المسلم في مجالي النفس والعالم باتّجاه تحقيق الحياة الانسانيّة الطيّبة ، وتدريب للحاج على واجباته الكبرى في الحياة .
إنّ المجتمعات البشريّة المختلفة ـ وهي تعاني اليوم من فراغ روحي وضياع وحيرة من مآس وويلات اجتماعيّة وفرديّة فرضها طواغيت الثروة والقوّة على الساحة العالمية ـ تحتاج إلى الإسلام وإلى تعاليمه ودروسه الكبرى . وإنّ الدعوة الإسلامية لتجعل عناصر الاستقطاب والنفوذ والأمل ، ليس فقط للشعوب التي تحترق بنيران الفقر والاستضعاف ، بل وبنفس القدر للشعوب التي تتخبّط في مستنقعات الفراغ والحيرة والفقر الروحي في البلدان الثريّة المتطورة . وما تذكره الاحصائيات والدراسات من تزايد التوجّه إلى الإسلام بين فئات الشباب وبين كلّ الرافضين لخواء الحياة المادّية في البلدان الغربيّة المتطوّرة ، دليل على هذا الاستقطاب والنفوذ .
المسلمون بتفهّمهم لهذه الثروة الكبرى ومنحها ما يناسبها من وعي، سيكونون قادرين على أن يخلقوا تحوّلا حقيقياً في حياتهم ، وأن ينقذوا البلدان الإسلاميّة ممّا تعانيه اليوم من ضعف وتبعية وتخلّف وانحطاط.
قال الله الحكيم: { إِنَّ هذِهِ اُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُم فَاعْبُدُونِ}(الانبياء:92)
يعود مرة أخرى موسم الحج، و يعود معه المشهد الاستعراضي العظيم المدهش المفعم بالحركة والنشاط في قاعدة الوحي والنبوة . أمواج بشرية هادرة من الشعوب الاسلامية تتحرك من كل حدب و صوب; لتصب في البحر الكبير، ولتجسد تعايش الأمة الواحدة تحت لواء التوحيد. مشاعر مترابطة تجمع هذه الكتل البشرية، تفصح عن آمال هذه الأمة الاسلامية العظيمة وآلامها وتطلعاتها وقدراتها.
ساحة الحج تستضيف الآن أناساً من ايران و العراق، من فلسطين و لبنان، من شبه القارة و شمال أفريقيا، من تركيا و البوسنة ، و من أرجاء آسيا و اُروبا. هذه الأفئدة المشتاقة تستطيع أن تتحدث عما تحمله قلوب الأمة الاسلامية ، و إنما الحج من أجل هذا التقارب و التجاوب بين المسلمين من جميع أرجاء العالم.
الرباط المقدس الذي يشدّ كلّ هذه القلوب هو نفسه النداء الذي انطلق لأول مرّة من هذه الأرض، و ملأالخافقين طولاً و عرضاً و امتدّ على كل مساحة التاريخ.. إنه نداء التوحيد والوحدة ، توحيد الله ووحدة الأمة. التوحيد: رفض ألوهية الطواغيت والمستكبرين و جبابرة الثروة والقوة. الوحدة: مظهر عزّة المسلمين وقدرتهم...
العالم الاسلامي يحسّ بهبوب نسيم الصحوة الاسلامية على وجهه المرهق الملتهب. و يرى مظاهر ذلك في كل بقاع العالم الاسلامي خاصة في ايران العزّة والجهاد، و كذلك في فلسطين و لبنان. نور الأمل يملأ قلوب الشباب في كل مكان، وطلاسم تحكّم الغرب وإهانته وتحقيره للشعوب قد انفضّت. وهذه الفرصة لم تتوفر مجاناً، بل بتضحية آلاف الأرواح الطاهرة على هذا الطريق. وما نستقبله من درب هو أيضاً صعب طويل، لكنه مفعم باليقين وخال من أيّ شك وترديد.
الشعب الفلسطيني أخذ على عاتقه اليوم السهم الأكبر من مسؤولية شقّ هذا الطريق والسير عليه. وعلى الجميع أن يعاضدوا هذا الشعب المظلوم و الشجاع والمتيقظ. الشعوب الأخرى تستطيع بمناصرتها الشعب الفلسطيني البطل; أن تفي بسهمها في مواصلة هذا الطريق.
العدو المستكبر الذي يرى في الصحوة الاسلامية تهديداً لأطماعه و مصالحه العدوانية، عمد إلى أهم ما في يده من سلاح لمواجهة هذا المدّ المتصاعد، وهو سلاح الحرب النفسية: بثّ اليأس، الاستهانة بالهوية، استعراض العضلات، وسيشهد المستقبل ممارسة آلاف الأدوات والأساليب الاعلامية الأخرى.. كلّ ذلك من أجل بثّ اليأس في قلوب المسلمين من مستقبلهم، و بالتالي دعوتهم إلى مستقبل منسجم مع أهدافه الخبيثة . هذه الحرب الثقافية والنفسية منذبداية عصر الاستعمار حتى الآن كانت أمضى أسلحة الغرب في فرض سيطرته على البلدان الاسلامية. وكانت هذه السهام السامّة تستهدف بالدرجة الاُولى النخبات والمثقّفين; ثم سائر الجماهير. ومواجهة هذه الدسيسة إنما يكون بالإعراض عن ثقافة الغرب المتهكمة المفروضة.
الثقافة الغربية يجب غربلتها حتى يؤخذ منها ما كان مفيداً ، و يلفظ من الفكر والعمل ما كان منها مضراً و مخرباً و مفسداً.
والحَكمُ في هذه الغربلة الكبرى الثقافة الاسلامية و ما يقدمه القرآن والسنّة من فكر معطاء وضّاء و موجّه. هذا فصل أساسي من النضال الشامل الواعد الذي ينهض به علماءالدين والمثقفون والسياسيون المخلصون في جميع أرجاء العالم.
على أمل أن يستطيع حجّ هذا العام ترسيخ و تقوية عزم الجميع على مواصلة هذا الطريق المبارك الكري(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران : 96 .
(2) ـ من نداء سماحة آية الله الخامنئي مدّظلّه العالي لحجاج بيت الله الحرام، عام1422هـ
   
   
المصدر: موقع التبيان، www.tebyan.net
last news
 
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved