لماذا أمر يزيد بن معاوية بإطلاق سراح السبايا وإرجاع الرؤوس إلى أهلها ؟؟


يتألف هذا الموضوع من محورين :

الأول عبارة عن مقدمة تمهيدية موجزة.

الثاني الدخول الى صلب الموضوع بإجابة موجزة عن السؤال الذي يطرح نفسه

(( لماذا أمر يزيد بن معاوية بإطلاق سراح الأسرى السبايا وإرجاع الرؤوس رغم الجهد الكبير الذي بذله لإحضارهم في مجلسه ؟))
 
 
مقدمة تمهيدية :

من المعلوم أن الحاكم الاموي يزيد بن معاوية لعنهما الله كان قد بذل جهدا كبيرا لقتل سبط الرسول الاكرم ، وحشّد الجيوش ، وأعدّ العدة والعدد ، وبعد تحقيقه لهذه الغاية الإجرامية كان جيشه قد بذل جهدا كبيرا بسوق سبايا آل الرسول الى يزيد بن معاوية لعنهما الله ، وكانوا يسيرون بهم من بلد الى بلد ، و قد تعرض سبايا آل الرسول الى ما تعرضوا له من التنكيل والمتاعب والنوائب ، حتى أدخلوهم الى مجلس الحاكم الاموي الجائر يزيد بن معاوية وهم مقيدون ، وكان هذا الطاغوت يتشمت بما جرى من عظم المصاب على آل الرسول ، ويعلن سروره وفرحه بمقتل الامام الحسين عليه السلام :


ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحا *** ثم قالوا يايزيـــــد لاتشل

قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلناه ببدرفأعتدل

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل

لست من عتبة ان لم انتقم *** من بني أحمد ما كان فعل


وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا أمر يزيد بن معاوية بإطلاق سراح الأسرى السبايا وإرجاع الرؤوس رغم الجهد الكبير الذي بذله لإحضارهم في مجلسه ؟

أقول : قطعا أن أمر الحاكم المتجبر يزيد بن معاوية بإطلاق سراح الامام زين العابدين عليه السلام وعمته السيدة زينب عليها السلام وبقية السبايا من آل الرسول ، وإرجاع الرؤوس للإمام علي بن الحسين عليه السلام لم يكُ من باب الصدفة ، ولم يكُ من باب الرحمة والرأفة أو الشفقة ، وأنى لحاكم مثل هذا الطاغوت الذي أدمى قلب الرسول ، وقتل مهجته وفلذة كبده أن يتصف بالرأفة ، بل هو طاغوت مغرور متجبر ، وإذن فلمَ أمر بذلك الأمر الذي يثير الإستفهام في ذهن المتتبع أو الباحث في القضية الحسينية ؟!



أقول: لعلّ الإجابة الوافية لهذا التسائل أو الاستفهام تكمن في أن الامام علي بن الحسين عليهما السلام هو الذي أجبر الحاكم الأموي يزيد بن معاوية على إتخاذ هذا القرار رغم أن الامام عليه السلام كان أسيرا ويزيد كان حاكما! ، ولعلّ سائل يقول متعجبا وكيف ذلك ؟!!

والواقع أن الامام علي بن الحسين عليهما السلام كان قد استطاع بخطبته العظيمة التي ألقاها في مجلس يزيد معاوية لعنهما الله من أن تحشيد الرأي العام ضد الحاكم يزيد بن معاوية ، وقد أزاح جميع الأقنعة المزيفة التي صنعها هذا الحاكم ، وأبطل الإشاعات التي تم بثها على سبايا آل الرسول من أنهم خوارج ، فإن المتتبع لخطبة الإمام عليه السلام في ذلك المجلس يجد أن الامام عليه السلام بدأ بتحذير الناس من الدنيا ، وحثهم على مراقبة الموت وترقب أمر الآخرة ، وهنا تكمن الحكمة فإن ذلك سيجعل الأذهان تتلتفت الى الامام عليه السلام متفكرة في شخصية هذا الرجل المتكلم وهو الامام عليه السلام ، من ثم عرّف الامام بنفسه ، وأن رسول الاسلام هو جده حقا وصدقا ، وان أمير المؤمنين عليا عليه السلام جده ، وأن فاطمة الزهراء عليها السلام جدته ، وأن الامام الحسين عليه السلام الذي ذبح في أرض كربلاء أبوهُ ، وهنا يكون الامام بهذا التعريف قد حقق نتائج كبيرة لقلب الأمور على هذا الطاغية منها :

الأول: أثبت للناس أن خبر أن هؤلاء السبايا خوارج عن الاسلام ما هو إلا مجرد إشاعة ، لأن المتكلم اي الامام علي بن الحسين عليه السلام هو حفيد رسول الاسلام النبي محمد صلى الله عليه واله ، وحفيد وصيه وخليفته علي أمير المؤمنين عليه السلام ، وحفيد الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام ، وأنه ابن الامام الحسين صريع كربلاء.


الثاني: هزيمة الجهل الذي كان قد عشعش في أذهان الناس لأنهم كانوا تحت تأثير الإعلام الأموي ، والذي كان قد بثّ من الإشاعات على الامام علي عليه السلام واتباعه الكثير من الاشاعات ، وكان يحشّد اهل الشام بإسم الاسلام لقتل الامام علي عليه السلام.


الثالث : تحريك العواطف والمشاعر مع مصيبة سبط الرسول ، وأنه قتل ذبيحا في أرض كربلاء ،عطشانا غريبا ، وأن هذه العيال عياله ، وهذه النساء هن حرائر النبوة .

الرابع : بيان مدى مظلومية أهل البيت عليهم السلام ، واستنهاض الروح الثورية ضد الظلم والفساد والطغيان.



وإن هذه النتائج قد ولدّت الخوف عند يزيد من حدوث إنقلاب عسكري أو رد فعل لاتحمد عقباه من القبائل على دولته وحكومته ، وخشي من وقوع الفتنة ، وهذا المعنى ذكره الراوي وكما سيأتي.


ولابأس بملاحظة هذا المقطع من خطبته عليه السلام لتتضح الامور أكثر:

أنا ابن المقتول ظلماً

أنا ابن محزوز الرأس من القفا

أنا ابن العطشان حتى قضى

أنا ابن طريح كربلاء

أنا ابن مسلوب العمامة والرداء

أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء

أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء

أنا ابن من رأسه على السنان يهدى

أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تسبى

فلم يزل يقول: أنا، أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر يزيد المؤذن مع أنه لم يكن وقت الصلاة فقطع عليه الكلام.

فلما قال المؤذن: الله أكبر

قال علي بن الحسين: لا شيء أكبر من الله، كبرت كبيراً لا يقاس

فلما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله

قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري وعظمي ولحمي ودمي

فلما قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله

إلتفت من فوق المنبر إلى يزيد وقال:محمدا هذا جدي أم جدك يا يزيد؟

فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن قلت: إنه جدي فلم قتلت عترته؟ (1).


فنزل زين العابدين من المنبر، هذا وقد تفرق من كان في المسجد، والتفوا حول الإمام زين العابدين.


ولما خشي يزيد الفتنة وانقلاب الأمر، عجل بإخراج الإمام زين العابدين والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرهم . انتهى هذا ما ذكره الراوي.


كما لابأس بالتذكير بأن خطبة السيدة زينب عليها سلام كان لها الدور ذاته والنتائج ذاتها ، وبالفعل اضطر الحاكم الاموي يزيد بن معاوية للموافقة على اطلاق سراح الامام السجاد عليه السلام والسبايا ، وارجاع الرؤوس اليه (2) ، وقام الامام عليه السلام بإرجاعها الى الابدان في العشرين من صفر.


قم جدد الأحزان في العشرين من صفر*** ففيه ردّت رؤوس الآل للحفرِ


********
بقلم المحقق

********

1. نفس المهموم 448_452 . ط قم .
2. مقتل الامام الحسين للمقرّم.
last news
 
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved