• التاريخ : الثلاثاء 25 ربيع الاوّل 1432

سر الصلاة أو صلاة العارفين


           

سر الصلاة أو صلاة العارفين

 

لسماحة آية الله العظمى الإمام الخميني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

اللهم اهدنا الصراط المستقيم الإنساني وأبرئنا من جهالة العجب وضلالة الكبر، واسمح لنا بالدخول إلى محفل الأنس لأرباب العروج الروحاني، ومقام القدس لأصحاب القلوب العرفانية، وارفع عن بصائرنا حجب الأنانية الظلمانية والانّية النورانية حتى نصل إلى المعراج الحقيقي الصلاتي للمصلّين المتضرعين، ونكبّر التكبيرات الأربع إلى الجهات الأربع للملك والملكوت، وافتح لنا أبواب الأسرار الغيبية، واكشف عن ضمائرنا أستار الأحدية لننال مناجاة أهل الولاية ونفوز بحلاوة ذكر أرباب الهداية. واصرف التعلّقات القلبية لنا عن الغير واجعلها مصروفة إليك، وأغمض عيوننا عن الأغيار الذين هم شياطين طريق السلوك ونوّرها بجمالك الجميل إنك ولي الهداية والتوفيق.

وبعد. فهذا التائه في وادي الحيرة والجهالة والمقيد بتعلقات الإنية والأنانية والمدهوش من خمرة التذوّت والتكبر والغافل عن المقامات المعنوية وعالم الوجود، قد أخلصت إرادتي أن أحرر نبذاً من المقامات الروحية للأولياء العظام في هذا السلوك الروحاني والمعراج الإيماني العرفاني.

وأنا بنفسي وإن قنعت من جميع المدارج والمعارج بألفاظها وتركيباتها، ولم أتحلّ بشيء من المقامات الخلقية والروحية لأهل القلوب ولكن بمقتضى أحبّ الصالحين ولست منهم، أزيّن هذه الأوراق بذكر المحبوب، فلعلَّ هذا التذكر بلا لبّ والقشر بلا معنى، يكون مشفوعاً بإظهار العجز والتضرّع فينال هذا المبتلي بالآمال والأماني بطرف خفي من أرباب النظر والأولياء الكُمّل عليهم السلام، فيجبر النقص في ما بقي من العمر وعلى الله التكلان.

وقد جعلته مشتملاً على مقدمة ومقالتين وخاتمة.

 

المقدمة

وفيها ستة فصول:

الفصل الأول: في تطبيق مقامات الصلاة على مقامات الإنسان

 

اعلم أنه كما للإنسان مقامات ومدارج فإن له باعتبار مقامين: مقام الدنيا والشهادة ومقام الآخرة والغيب. فأحدهما ظلّ الرحمن والآخر ظلّ الرحيم وبحسب هذا الاعتبار فالإنسان واقع في ظل جميع الأسماء ذوات الظل، ومربوب للأسماء الربوبية، وفي حيطة اسمي الرحمن والرحيم كما جمع ذلك سبحانه في الآية الشريفة: {بسم الله الرحمن الرحيم}

ويقول العرفاء ظهر الوجود ببسم الله الرحمن الرحيم. وهذان المقامان ابتداء من ظهور المشيئة المطلقة من مكامن الغيب الأحدي إلى مقبض الهيولى، أو مقبض الأرض السابعة (التي هي عبارة عن حجاب الإنسانية على طريقة العرفاء الشامخين) وهذا أحد قوسي الوجود. ومن مقبض تراكم الفيض إلى منتهى النهاية لغيب المشيئة وإطلاق الوجود، وهذا هو القوس الثاني موجودة في الإنسان الكامل.

فالإنسان الكامل بحسب هذين المقامين: أي مقام الشهادة والظهور بالرحمانية، ومقام الغيب والظهور بالرحيمية، هو تمام دائرة الوجود. (ثم دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى). وأحد هذين حقيقة ليلة القدر وسرّها لأن شمس الحقيقة في حجاب التعيّنات، والآخر حقيقة يوم القيامة لأنه بروزها وطلوعها من أفق حجاب التعيّنات وهما اليوم والليلة الالوهيان. وباعتبار آخر، للإنسان ثلاثة مقامات: الأول، مقام الملك والدنيا. والثاني، مقام البرزخ. والثالث، مقام العقل والآخرة. وهذه المقامات الثلاثة في الإنسان الكامل هي مقام تعيّنات المظاهر والآخر مقام المشيئة المطلقة التي هي برزخ البرازخ. وباعتبار، عبارة عن مقام العماء والثالث مقام أحدية جمع الأسماء ويمكن أن تكون الآية الشريفة: (بسم الله الرحمن الرحيم) إشارة إلى هذه المقامات الثلاثة (فالله) مقام أحدية الأسماء و(اسم) مقام البرزخية الكبرى. وأما المشيئة فهي التعينات الرحمانية والرحيمية.

وباعتبار آخر له أربعة مقامات: الملك والملكوت والجبروت واللاّهوت.

وباعتبار آخر له خمسة مقامات: الشهادة المطلقة والغيب المطلق والشهادة المضافة والغيب المضاف ومقام الكون الجامع طبقاً للحضرات الخمس المتداولة في لسان العرفاء.

وباعتبار آخر له سبعة مقامات وهي المعروفة بالمدن السبع للعشق والبلاد السبعة للوجود في ألسنة العرفاء. وبالاعتبار التفصيلي له مائة منزل أو ألف منزل وتفصيلها خارج عن مجال هذا المختصر.

فكذلك هذه المقامات موجودة حذو النعل بالنعل للصلاة التي لها في العبادات والمناسك الإلهية مقام الجامعية والعمودية، وذلك لأن جميع المقامات المعنوية الإنسانية على حسب سفره المعنوي من منتهى النزول في العالم الملكي الذي هو بيت النفس المظلم، إلى الغاية القصوى والمعراج الحقيقي الروحاني وهو الوصول إلى فناء الله.

إنّ براق سير أهل المعرفة ورفرف عروجهم الصلاة ولكل واحد من أهل السير والسلوك إلى الله صلاة مختصة به، وله من صلاته حظ ونصيب على حسب مقامه كما أن غيرها من المناسك كالصوم والحج، هو كذلك وان لم تكن جامعيّته كالصلاة. (الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق) وليس لغيرهم الذين لم يصلوا إلى ذلك المقام حظٌ من صلاتهم بحيث أن صاحب كل مقام ونشأة إن لم يترجل من مركب العصبية والأنانية ينكر غيره من المراتب، ويرى غير الذي هو متحقّق به من بقية المقامات باطلاً وحشواً. كما أن من لم يصل إلى المراتب والمقامات الإنسانية ولم يخرج من حجاب الأنانية ينكرها أيضاً ويحسب معارج أهل المعرفة ومدارجهم تافهة وهذا من أكبر عوائق السير إلى الله، وأعظم موانع الارتقاءات الروحية والمقامات الروحانية، وإن النفس الأمارة بواسطة حبها لنفسها ولزخارف الدنيا تبقى في الحجاب الظلماني وتساعدها الوساوس الشيطانية حتى تخلد إلى الأرض.

حتى أن الأمر يصل بذلك المنكر أحياناً إلى أن يرى صلاة الأولياء الكمّل وصيامهم نظيرة لصلاته وصيامه وإن اعتقد أن ما يميّز بين فعلهم وفعل نفسه إنما هو الآداب الظاهرية فقط كحسن القراءة وطول الركوع والسجود وغيرها التي هي صورة الصلاة،وإذا تجاوز في الميز عن هذا الحدّ فيرى غاية الامتياز بإقبال القلب عند الصلاة والتفكر في المعاني والمفاهيم العرفية لها من دون أن يكون له أيّ إطّلاع على حضور القلب ومراتبه وأسراره وكيفية تحصيله، أو أن يكون هو في صدد تحصيله ورفع موانعه وتحصيل مقتضياته ولو بالمقدار الذي اصطنعه لنفسه. على أن صلاة الأولياء عليهم السلام لا تستقيم في أوهامنا وإن أول مرتبة من مراتب عبادتهم وهي المرتبة المعمولة الشائعة لهم هي عبادة الأحرار ولهم في هذا السير المعنوي إلى الله مقامات ومدارج أخرى نشير إلى بعضها بعد ذلك.

وبالجملة إن للصلاة مقامات ومراتب بحيث تكون صلاة المصلي في المرتبة التي هو فيها تختلف عن صلاته في المرتبة الأخرى اختلافاً كبيراً، كما أن مقامه يختلف مع سائر المقامات اختلافاً كثيراً. فما دام الإنسان في صورة الإنسان وهو إنسان صوري فصلاته أيضاً صورية. وصورة الصلاة وفائدتها إنما هي بالنسبة إلى صحتها الفقهية وكونها مجزيةً بالأجزاء الصورية الفقهية هذا إذا قام بجميع أجزائها وشرائط صحتها وعلى الرغم من أنها فاقدة لشرائط القبول وغير مرضية من الله تعالى. فإذا تجاوز المصلي من المرتبة الظاهرية إلى المرتبة الباطنية وعن الصورة إلى المعنى فتكون صلاته صلاة حقيقية بمقدار ما هو متحقق فيها من معنى الصلاة وباطنها وسرّها. بل على ما أشرنا إليه من أن الصلاة هي مركب السلوك وبراق السير إلى الله فينعكس الأمر بمعنى أن الصلاة ما دامت صورة الصلاة ولم تتحقّق بمرتبتها الباطنية وسرها فالإنسان المصلي بها أيضاً إنسان صوري ولم يتحقق بحقيقة الإنسانية. فالميزان في كمال الإنسانية وحقيقتها هو العروج إلى المعراج الحقيقي والصعود إلى أوج الكمال والوصول إلى باب الله بمرقاة الصلاة. فيلزم لمؤمن الحق والحقيقة والسالك إلى الله بقدم المعرفة أن يهيئ نفسه لهذا السفر المعنوي والمعراج الإيماني، وأن يتزوّد بما يلزمه من العدّة والمؤونة والمعونة، ويبعد عن نفسه العوائق والموانع للسير ويقطع هذا الطريق مع الجنود الإلهية ومصاحب موافق ليكون مصوناً ومحفوظاً من الشيطان وجنوده الذين هم قطاع طريق الوصول، ونحن نبيّن بعد ذلك المصاحبة والمصاحب ونبيّن الجنود الإلهية في أسرار الأذان والإقامة.

ومحصّل مقصودنا من هذا الفصل أن للصّلاة بل لجميع العبادات غير هذه الصورة وهذا القشر والمجاز لباطناً ولباً وحقيقة وهذا معلوم من طريق العقل وله شواهد كثيرة من طريق النقل، وذكر جميعها خارج عن مجال هذه الأوراق ولكن نزيّن هذه الأوراق بذكر بعض منها.

فمنها الحديث المشهور (الصلاة معراج المؤمن) ومن التفكر والتدبّر في هذا الحديث الشريف يفتح لأهله أبواباً محجوبون ومحرومون من أكثرها، وتستفاد جميع البيانات السابقة من هذا الحديث الشريف.

ومنها الحديث الشريف في الكافي بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال: العبادة (كتاب الوسائل).

إن العباد - نسخة الكافي ثلاثة:قوم عبدوا الله عز وجل خوفاً فتلك عبادة العبيد،وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلباً للثواب فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله عز وجل حبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادات).

وأيضاً في الوسائل عن (العلل والمجالس والخصال) للشيخ الصدوق رضوان الله عليه بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام إن الناس يعبدون الله عزّ وجل على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع،وآخرون يعبدونه خوفاً من النار فتلك عبادة العبيد وهي الرهبة، ولكني أعبده حُباً له عز وجل فتلك عبادة الكرام وهو الأمن لقوله عز وجل {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} (النمل89). ولقوله عز وجل {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران/31) فمن أحب الله عز وجل أحبّه الله ومن أحبّه الله تعالى كان من الآمنين. وفي نهج البلاغة أيضاً ما يقرب من هذه المضامين. ومنها قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وهذا القول إشارة إلى مقامين من حضور القلب في المعبود كما سيأتي. وعنه صلى الله عليه وآله إن الرجلين من أمتي يقومان في الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد، وإن ما بين صلاتيهما ما بين السماء والأرض. وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه كان يقول طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه ولا ينسى ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطى غيره. ونحن نذكر الإخلاص بعد ذلك إن شاء الله.

فبعد التدبر في هذه الأحاديث الشريفة والتفكّر في أحوال أئمة الهدى سلام الله عليهم وأنهم كانوا في وقت أداء هذه الأمانة يتغير لون بعضهم وترتعد فرائص بعضهم الآخر، ويغشى على بعضهم وقد غفلوا عن ما سوى الله بكلّيتهم حتى عن ملك البدن ومملكة وجودهم. ليُعلَمُ أن حقيقة هذه العبادات الإلهية والنسخة الجامعة التي رتبت بالكشف المحمّدي لاستخلاص هذه الطيور القدسية من قفص الطبيعة الضيق، ونزّلت على قلبه المقدس ليست هذه الصورة الدنيوية والهيئة الظاهرة الملكية، لأن هذه الصورة يستطيع أن يقوم بها بشرائط الصحة والكمال الصوري لها كل عالم يعرف المسائل، وكل عامّي تعلّم الأبجديّة ويخرج عمّا في عهدته ويبرئ ذمته ولا يحتاج إلى هذا المقدار من تغيّر الألوان وارتعاد الفرائص ولا معنى للخوف والخشية من القصور والتقصير ونحن نختم هذا الفصل بذكر حديث واحد يكفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

عن كتاب فلاح السائل للعارف السالك المجاهد ابن طاووس رضي الله عنه قال جاء في الحديث أن رزاما مولى خالد بن عبدالله الذي كان من الأشقياء سأل الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام بحضرة أبي جعفر المنصور عن الصلاة وحدودها. فقال عليه السلام للصلاة أربعة آلاف حدّ لست تفي بواحد منها فقال أخبرني بما لا يحل تركه ولا تتم الصلاة إلا به فقال عليه السلام لا تتم الصلاة إلا لذي طهر سابغ،وتمام بالغ غير نازغ ولا زائغ، عرف فأخبت فثبت وهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع، كأنّ الوعد له صنع والوعيد به وقع. بذل عرضه وتمثل غرضه، وبذل في الله المهجة وتنكّب إليه المحجّة غير مرتغم بارتغام يقطع علائق الاهتمام بعين من له قصد واليه وفد وعنه استرفد. فإذا أتى بذلك كانت هي التّي تنهى عن الفحشاء والمنكر الحديث. ويطول بيان هذا الحديث الشريف على مسلك أهل المعرفة وتطبيقه مع أركان الصلاة ومقاماتها ولعلنا نشير إلى بيان بعض فقراته في بعض المقامات. فلو كانت هذه الحدود أربعة آلاف التي ذكرها الإمام الصادق عليه السلام من الحدود الظاهرية والآداب الصوريّة لم يقل لست تفي بواحد منها لأنه من المعلوم أن كل أحد يستطيع أن يقوم بالآداب الصورية للصلاة لكن قطع العلقة عن غير الحق والوفود إلى حضرته وبذل المهجة في سبيله وترك الغير والغيرية بالمرّة من الأمور التي لا تتيسر لكل أحد سوى لأهل المعرفة وأصحاب المعارف الإلهية والأولياء الكمّل المحبّين والمجذوبين فطوبى لهم ثم طوبى لهم وهنيئاً لأرباب النعيم نعيمهم.

 

الفصل الثاني: في بيان الفرق بين السالك والواصل في الصّلاة

 

قد تبيّن واتضح عند أرباب المعارف الإلهية أن الإنسان السالك ما دام في السير إلى الله والسلوك إلى جانب الله، فصلاته وكذلك سائر مناسكه تفترق عن تلك التي للولي الكامل الذي أنهى سيره ووصل إلى الغاية القصوى للعروج الكمالي والمعراج الروحي المعنوي، ووضع قدمه في محفل أنس (قاب قوسين) لأن السالك ما دام في السلوك والسير إلى الله فصلاته براق العروج ورفرف الوصول. وبعد الوصول تكون صلاته خارطة التجليات وصورة مشاهدات جمال المحبوب من دون إعمال رويّة في تركيبها بل تكون من قبيل سراية حكم الغيب إلى الشهادة وظهور آثار الباطن في الظاهر كما قال المحققون من الفلاسفة في حق تدبير العالم العقلي بالنسبة إلى عالم الملك، مع أن الأعلى لا يتوجه إلى الأدنى: ان تدبيراتها لهذا العالم تدبير تبعي استجراري بل التدبيرات للمناسك الإلهية عند أصحاب القلوب وأرباب المعرفة تابعة للتجليات الأسمائية والصفاتية والذاتية.

وبالجملة إن للمستغرقين في مشاهدة جمال الجميل تجلّيات غيبيّة تحصل منها الحركات الشوقية في سرّ قلوبهم، وتحصل من تلك الاهتزازات السّريّة القلبية آثار في ملكهم تكون تلك الآثار بمناسبة كيفية التجليات مطابقة لإحدى المناسك والعبادات، وهؤلاء مع أنّهم لا يتوجهون إلى كيفية شيء منها توجهاً استقلالياً لا يتغيّر جزء أو شرط من آدابها الصورية ولا ينقص ولا يزيد شيء منها، ولا تكون مخالفة للمقررات الشرعية كما أن الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله في صلاته المعراجية لمّا رأى من أنوار العظمة والتجلّي الذاتي الغيبي سجد وغشي عليه مرّات كما نشير إلى ذلك فيما يأتي.

ومثل هذه الجذبة الروحية والفناء الكلّي مثل حال العاشق المجذوب وحركاته العشقية، ومثل العدو كامل العداوة وحركاته البغيضة فإن حركات كل منهما وأعمالهما ليست عن رويّة وتفكر في مقدماتها، فليس للعاشق في كيفية مغازلته أن يمهّد مقدمات ويصل منها إلى النتيجة بل حقيقة العشق نار تطّلع على فؤاد العاشق وتسري جذوتها إلى سرّه وعلانيته وباطنه وظاهره. وتلك التجليات الحبيّة في سرّ القلب تتجلّى بصورة المغازلة في الظاهر (الإناء يرشح بما فيه). فكذلك حال مجذوب مقام الإحدية وعاشق الجمال الصمدي. فان الجذبات الباطنية للمحبوب والتجليات الحبيّة للحبيب التي تظهر في الملك الظاهر للعاشق وتتصوّر في مملكة شهادته تشكل هذه المخطَّطة الصلاتية فإن إصابه حال أو حصل له وضع غير هذه الأوضاع والأقوال التي كانت للمجذوب الحقيقي والواصل الواقعي الرسول الخاتم صلوات الله عليه في هذه المكاشفة الروحانية والمغازلة الحبيّة فهو من تصرفات الشيطان ويكشف عن وجود شئ من الإنّية والأنانية وبقية منها للسالك في سلوكه ولا بدّ له إذاً من الجدّ في علاجها وترك طريق الضلالة. فالصلاة التي ينسبها بعضهم إلى العرفاء وتسمى بصلاة السكوت وترتيب خاصّ، يمثّلون ألف الله في حيال وجههم وبعدها اللاّم وبعدها الهاء وبعدها المجموع بترتيب خاص على عدد الحضرات الخمس. فهي على فرض صحة النسبة محصول جهل من صنف ذلك المعجون المبتذل.

وبالجملة لا يتصوّر كشف أتمّ من كشف النبيّ الخاتم (ص) ولا سلوك أصح ولا أصوب من سلوكه (ص) فلا بدّ أن تترك المركّبات غير المنتجة التي هي نتيجة العقول السخيفة لمدّعي الإرشاد والعرفان. كان شيخنا العارف الكامل شاه آبادى روحي فداه يقول: إن جميع العبادات عبارة عن إسراء ثناء الحق جلّت عظمته إلى النشأة الملكية للبدن، وكما أن للعقل حظّاً من المعارف وثناء المقام الربوبي وللقلب حظاً وللصدر حظّاً كذلك فلملك البدن أيضاً حظ وهو عبارة عن هذه المناسك، فالصوم ثناء ذات الحق تعالى بالصمدية، وظهور ثنائه بالقدوسيّة والسبوحية، كما أن الصلاة ولها مقام الأحدية الجمعية والجمعية الأحدية ثناء على الذات المقدسة بجميع الأسماء والصفات انتهى ما أفاده دام ظلّه. فعلم من البيانات السابقة أن ما هو معروف عند بعض أهل التصوّف من أن الصلاة وسيلة معراج وصول السالك، والسالك بعد الوصول ليستغني عن الرسوم أمر باطل بلا أصل وتخيّل بلا رويّة وبلا لبّ ومخالف لمسلك أهل الله وأصحاب القلوب وصادر عن الجهل بمقامات أهل المعرفة وكمالات الأولياء نعوذ بالله منه.

 

الفصل الثالث: في بيان سر الصلاة الإجمالي

 

إن الصلاة مركبة بحسب صورتها الملكية من أوضاع وهيئات وأذكار وقراءة وأدعية كما هو واضح وإن كانت بحسب ملكوتها ذات وحدة وبساطة، وكلما قربت من أفق الكمال تكون وحدتها أكمل حتى تنتهي إلى غاية الكمال التي هي حصول قيامتها الكبرى وسنشير إلى هذا المطلب بعد هذا إن شاء الله تعالى.

ووحدة الصور الملكية تابعة لوحدة الصور الملكوتية الغيبية كما قرّر في محله، والوحدة التامة للصور الملكية تحصل بفنائها في باطن الملكوت ويعبّر عنه بالقيامة الصغرى. ولكل من هذه الأوضاع والأذكار أسرار بالتفصيل نذكر بعضها بعد ذلك إن شاء الله بقدر الميسور والمقتضى. ونكتفي في هذا المقام بالسرّ الإجمالي لصلاة أهل المعرفة وأهل الله وهو عبارة عن حصول المعراج الحقيقي والقرب المعنوي والوصول إلى مقام الفناء الذاتي الذي هو في الأوضاع يحصل في السجدة الثانية التي هي فناء عن الفناء، وفي الأذكار يحصل بإيّاك نعبد الذي هو مخاطبة حضورية،كما أن رفع

الرأس من السجدة إلى التسليم الذي هو علامة ملاقاة الحضّار والرجوع من السفر هو رجوع إلى الكثرة ولكن مع السلامة من حجب الكثرات ومع البقاء في الحق. واهدنا الصراط المستقيم في الأذكار رجوع إلى النفس وحصول الصحو بعد المحو ويتمّ السفر بإتمام الركعة التي هي حقيقة الصلاة.

وليُعلم أن أصل الصلاة ركعة واحدة وبقية الركعات من الفرائض والنوافل إنما هي لإتمام تلك الركعة الواحدة كما ورد في الحديث الشريف.

روى الشيخ العاملي في الوسائل عن عيون الأخبار والعلل بإسناده عن الرضا عليه السلام قال إنّما جعل أصل الصلاة ركعتين وزيد على بعضها ركعة وعلى بعضها ركعتان ولم يزد على بعضها شئ لأن أصل الصلاة إنّما هي ركعة واحدة. لأن أصل العدد واحد فإذا نقصت من واحد فليست هي صلاة. فعلم الله عزّ وجل أن العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التي لا صلاة أقل منها بكمالها وتمامها والإقبال إليها، فقرن إليها ركعة أخرى ليتمّ بالثانية ما نقص من الأولى ففرض الله عزّ وجل أصل الصلاة ركعتين، ثم علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن العباد لا يؤدّون هاتين الركعتين بتمام ما أمر به وكماله فضمّ إلى الظهر والعصر

والعشاء الآخرة ركعتين ركعتين ليكون فيها تمام الركعتين الأوليين الحديث.

 

الفصل الرابع: في بيان حضور القلب ومراتبه

 

ربّما كان من المناسب في هذا المقام أن أشرح المصطلحات الرائجة للقلب عند الأطبّاء والحكماء والعرفاء وأهل الشرع وفي لسان القرآن. ولكن لمّا كان لا يترتب عليها فائدة كثيرة ويطول ذيل الكلام فيها رأيت أنّ شَدّ عنان القلم عنها وصرفه في بيان حضور القلب ومراتبه أولى.

فلا يخفى على أرباب البصيرة والمعرفة وعلى المطلع على أسرار أخبار أهل بيت العصمة والطهارة أن روح العبادات، وكمالها وتمامها بحضور القلب وإقباله، ولا تكون أي عبادة بدونه مقبولة للحضرة الأحدية ومورداً لنظر اللطف والرحمة، وتكون ساقطة عن درجة الاعتبار. وسنذكر في الفصل الآتي بعد ذلك الأخبار والأحاديث الراجعة إلى هذا المدّعى بالقدر المناسب. وكما أن كمال كل موجود ونقصه ونورانيته وكدورته بصورته النوعية وكماله الأخير، وأنّ الميزان في كمال الإنسان ونقصه وسعادته وشقاوته كمال النفس الناطقة ونقصها التي هي النفحة الإلهية والروح المجرّد الأمري للإنسان، كذلك مطلق العبادات وبالخصوص الصلاة التي هي احدى التركيبات القدسية التي ركبّها وسوّاها الحق تعالى بيدي الجلال والجمال، يكون كمالها ونقصانها ونورانيّتها وظلمانيّتها مرتبطة بروحها الغيبي ونفحتها الإلهية التي تنفح فيها بواسطة النفس الناطقة الإنسانية. وكلما كانت مرتبة الإخلاص وحضور القلب اللذين هما الركنان الركينان للعبادة أكمل يكون الروح المنفوخ فيها أطهر وكمال سعادتها أكثر وصورتها الغيبيّة أنور وأكمل. وكمال عمل الأولياء عليهم السلام إنّما كان بواسطة الجهات الباطنيّة وإلاّ فصورة العمل ليست لها الأهميّة الكثيرة، فإن نزول عدة آيات من السورة المباركة هل أتى مثلاً في مدح علي عليه السلام وأهل بيته الطاهرين ليس بسبب إعطاء قرص من الخبز وإيثارهم به بل كان للجهات الباطنية ونورانية صورة العمل كما أشار إلى ذلك في الآية الشريفة حيث يقول {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} (الإنسان9). بل إن ضربة عليّ عليه السلام التي هي أفضل من عبادة الثقلين ليست أفضليّتُها بصورتها الدنيوية بحيث لو صدرت من غيره لكانت أفضل أيضاً وإن كان نفس العمل بلحاظ موقعه. وفي حين تقابل الكفر والإسلام كان مهمّاً ولعل الأمر لولا تلك الضربة كان سيؤول إلى تمزق حبيكة جند الإسلام ولكن العمدة في فضيلتها وكمال عمله عليه السلام إنما كان بسبب حقيقة الخلوص وحضور قلبه عليه السلام في إتيانه هذه الوظيفة الإلهية، ولهذا اشتهر منه عليه السلام أنّه لمّا استولى الغضب عليه بتجاسر الملعون امتنع عن قتله حتى لا يكون في عمله شائبة من الإنيّة وجانب (يلي الخلقي) مع أن غضبه وهو ولي الله المطلق غضب إلهيّ ولكنه مع ذلك أخلص العمل عن التوجه إلى الكثرة وأفنى نفسه بكلّيتها في الحق فوقع العمل بيد الحق، والعمل بهذه الصفة لا يمكن أن يوزن بميزان وأن يقابله شئ. وسنورد شرحاً لهذا الموضوع في باب النيّة إن شاء الله ونصرف القلم إلى بيان مراتب حضور القلب وله مراتب ومقامات كثيرة فنبيّن. مراتبه الكليّة على سبيل الإجمال وبطريق النموذج لا الحصر.

وليعلم أن العبادات مطلقة هي ثناء على المقام المقدس الربوبي وعلى مراتب الثناء وترجع كلياً إلى الثناء على الذات والثناء على الأسماء والصفات أو الثناء على التجلّيات تنزيهاً أو تقديساً أو تمجيداً، وليست عبادة من العبادات بحسب السرّ والحقيقة خليّة عن مرتبة من ثناء المعبود. فبناءً على هذا تكون أول مرتبة لحضور القلب في باب العبادات حضور القلب في العبادة إجمالاً وهي ميسورة لكل إنسان. وحضور القلب في العبادة هو أن يفهم الإنسان قلبه أن باب العبادات باب ثناء المعبود، ويوجّه قلبه من أول العبادة إلى آخرها إلى هذا المعنى إجمالاً وهو الاشتغال بثناء المعبود ويحضّر قلبه وان كان هو لا يعلم بكيفية ثنائه وأنه بأيّ شئ ومع أيّ شئ يثني على الذات المقدسة، وأنّ هذه العبادة هل هي ثناء الذات أو ثناء الأسماء أو غيرها، وهل هو ثناء تقديسي أو تحميدي ومثله كمثل شاعر يمدح أحداً بقصيدته ويعلّم طفلاً أن هذه القصيدة هي لمدح فلان ولكن الطفل لا يدري كيف مدح الشاعر الممدوح وبأيّ شئ مدحه ولكنه حين قراءته القصيدة يعلم إجمالاً أنه يمدحه وإن لم يعلمه تفصيلاً.

فكذلك أطفال مدرسة المعارف المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم الذين يمدحون الله في محضره المقدس بالمدائح والثناءات التي كشفت بالكشف التام المحمدّي وأُفيضت على قلبه الشريف بالوحي والإفاضة من حضرة الحق جل جلاله وإن كانوا لا يعلمون كيفية ثنائهم وبماذا يثنون ولماذا يمدحون. ولكن أول مرتبة لكمال عبادتهم أن تحضر قلوبهم في العبادة بأنّنا نثني على الله تعالى بما أثنى الحق تعالى به على نفسه وما كان الخواص عنده سبحانه رطاب اللسان به. بل لو كان الثناء نيابة عن لسان الأولياء لكان الأفضل لكونه حينئذ خالياً من شوائب الكذب والنفاق، لأن في العبادات وخصوصاً في الصلاة ثناءات مشتملة على الدعاوى لا يقوم بها إلاّ الكمّل من الأولياء والخلّص من الأصفياء، كالقول في أذكار الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض وكقول الحمد لله وإياك نعبد وفي الأوضاع مثل رفع اليد في التكبيرات

والسجدة وغيرها التي يأتي بيان كل منها في محله إن شاء الله. ولا تتيسر تلك الدعاوى لكلّ أحد ونظائرها في الأدعية الشريفة الواردة من الناحية المقدسة للأئمة الأطهار سلام الله عليهم كثيرة ولا يتيسر الدعاء بتلك الأدعية لكل أحد كبعض فقرات دعاء كميل.

والشيخ الكامل العارف شاه آبادي روحي فداه كان يقول في هذه الموارد ((إن الأفضل أن يدعو الداعي في هذه المقامات بلسان مصادر الدعاء عليهم السلام)) وبالجملة الأفضل لأمثالنا الذين لم يصفُ سرّهم ولم ينقطع تعلّقهم عن غير الحق، أن يكون قصد الثناء والمديح في الأذكار والقراءات، أو في أعمال الصلاة بلسان مصدرها الذي هو الحق جل وعلا بوجه والرسول الخاتم صلى الله عليه وآله بوجه آخر. وسيأتي في باب القراءة نبذة من الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

المرتبة الثانية من حضور القلب (حضور القلب في العبادة) تفصيلاً وهو أن يكون قلب العابد في جميع العبادة حاضراً وعالماً بماذا يصف الحق وكيف يناجيه وله مراتب ومقامات يتفاوت بعضها عن بعض على حسب تفاوت مقامات القلوب ومعارف العابدين.

وليعلم أن الإحاطة التفصيلية بجميع أسرار العبادات وكيفية المدح والثناء في كل منها لا يمكن لأحد سوى الكمّل من الأصفياء بطريق الإفاضة والوحي الإلهي، ونحن نذكر هنا مراتبها الكلّية بطريق الإجمال.

فطائفة لا يعلمون من الصلاة وغيرها من العبادات غير الصورة والقشر والهيئة الملكية ولكن يفهمون المفاهيم العرفية للأذكار والأدعية والقراءة. وحضور القلب لهم أن يحضروا في وقت الذكر أو القراءة مفاهيمها في القلب فتحضر قلوبهم عند المناجاة مع الحق.

فالمهم لهذه الطائفة ألا يقيدوا الحقائق بالمعاني العرفية التي يفهمونها فحسب ولا يظنّون أن العبادة ليست لها حقيقة سوى هذه الصورة فإن هذه العقيدة بالإضافة إلى أنها تخالف العقل والنقل تضر الإنسان ضرراً كثيراً وتقنّعه وتوقفه وتمنعه من السير العلمي والعملي. وإنّ من الأعمال المريعة للشيطان أنه يشغل الإنسان بما لديه ويرضيه به ويسيء ظنه بسائر الحقائق والعلوم والمعارف ويصل من هذا الطريق إلى نتائج غريبة.

وطائفة أخرى هم الذين يفهمون حقائق العبادات والأذكار والقراءة بالقدم العقلي الفكري فيعلمون مثلاً بالبرهان العقلي كيفية رجوع جميع المحامد إلى الحق، أو أنّهم يعلمون حقيقة الصراط المستقيم أو حقيقة معاني سورة التوحيد التي هي أصول المعارف ولكن كل ذلك بقدم الفكر والعقل. وحضور القلب في العبادة لهذه الطائفة أن تحضر قلوبهم تفصيلاً عند ذكر هذه الحقائق والمحامد ويعلمون ما يقولون وكيف يثنون على الحق ويحمدونه.

وطائفة أخرى هم الذين أدركوا الحقائق بقدم الفكر والعقل وكتبوها بقلم العقل على لوحة القلب وقد عرفت قلوبهم تلك الحقائق وآمنت بها لأن ثمة فرقاً كبيراً بين مرتبة الإيمان القلبي والإدراك العقلي. فكم من أمر أدركه الإنسان بالعقل وأقام البرهان على ما أدركه ولكنه لم يصل إلى مرتبة الإيمان القلبي، والى المرتبة الكاملة منه وهي الاطمئنان ولم يترافق قلبه مع عقله في ذلك. ومثال ذلك: أننا نعلم باليقين أن الأموات ليست لها أية حركة ولا تملك أيّ ضرر علينا فلو جمعت أموات العالم كلّها لا تضرّنا قدر بعوضة ومع ذلك فبسبب أن هذا الأمر اليقيني العقلي لم يرد في لوحة القلب ولم يترافق القلب مع العقل في هذا الحكم فتغلب حكم الوهم على العقل في مملكة الوجود فيستوحش ويخاف من الأموات خصوصاً في الليل وفي الخلوة مع أن العقل يحكم بأن ظلمة الليل لا تؤثر في شئ وكذلك الخلوة، ليس لها أثر والأموات لا تضرّ ومع ذلك يتجنّب حكم العقل ويمشي على قدم الوهم ولكنّه إذا حشر مع الأموات مدة وبات معها في المواقع الموحشة وبإقدامه في هذه الأمور أوصل الحكم العقلي إلى القلب ورافق القلب العقل فيحصل له بالتدريج مرتبة الاطمئنان ولا يرتجف قلبه بوجه ويقدم على الأمر بالشجاعة، وكذلك حال جميع الحقائق الدينية والمطالب البرهانية اليقينية فان مرتبة الإدراك العقلي فيها غير مرتبة الإيمان والاطمئنان وطالب الحق والباحث عن الحقائق ما لم يصل إلى هذه المرتبة بالرياضة العلمية والعملية والتقوى الكاملة العملية والقلبية لم يكن صاحب القلب ولم تحصل له المرتبة الأولى للقلب التي هي من اللطائف الإلهية ولم يخلع بخلعة الإيمان بل بمقتضى الحديث الشريف ((الصلاة معراج المؤمن)) والحديث الشريف ((الصلاة قربان كل تقي)) من الممكن أن الإنسان ما لم يصل إلى مرتبة الإيمان والتقوى لا تكون الصلاة له معراجاً ومقرّباً ولم يشرع غي السلوك إلى الله أصلاً بل هو مقيم في بيت النفس لم يبرح.

وطائفة أخرى هم الذين أوصلوا هذه الحقائق إلى مرتبة القلب ووصلوا إلى مقام كمال الاطمئنان، وبالإضافة إلى ذلك وصلوا إلى مرتبة الكشف والشهود بالمجاهدات والرياضات فيدركون الحقائق بالعين الملكوتية والبصيرة الإلهية مشاهدة حضوريّة وبالحضور العيني.

ولهؤلاء السلاّك أيضاً مراتب يخرج تفصيلها عن مجال هذه الأوراق.

وحضور القلب في العبادة لهذه الطائفة من أهل الشهود والكشف أن يشاهدوا عياناً جميع الحقائق التي تكون صورة العبادة كاشفة عنها والأسرار التي تكون أوضاع العبادة وأقوالها مظاهرها فتنكشف الحجب السبعة لهم عند التكبيرات الافتتاحية ويخرقونها. وفي التكبير الآخر تكشف لهم سبحات الجمال والجلال بما يناسب قلوبهم فيردون المحامد إلى الله بالاستعاذة من الشيطان القاطع للطريق وبتجلي اسم الله الجامع كما تأتي الإشارة إليه في محله إن شاء الله.

وإذا وصل السالك إلى هذا المقام فيرد مقاماً آخر من مقامات حضور القلب وهو حضور القلب في المعبود، وله أيضاً مراتب كثيرة وهي بالطريق الكلّي وبصورة إجمالية ثلاثة مقامات: أحدهما حضور القلب في التجلي الفعلي للمعبود وهو عبارة عن أن يعلم الإنسان بقدم الفكر والبرهان أنّ من منتهى النهاية للحقائق المجردة العقلية إلى آخر التنزّلات لحقيقة الوجود تعيّنات للوجود المنبسط الذي هو الفيض الإشراقي والتجلّي الفعلي للحق، وهذا التجلّي الفعلي مقام العلم الفعلي للحق الذي هو نفس الحضور في المحضر الربوبي على مذهب العظماء من الفلاسفة. وأن الشيخ الجليل الإشراقي والفيلسوف العظيم الشأن الطوسي قدس سرّه يرى العلم التفصيلي بالموجودات للحق تعالى عبارة عن هذا التجلّي الفعلي، وان كان حصر العلم التفصيلي بهذا المقام على خلاف التحقيق، لكن أصل المطلب، أي أنّ العلم الفعلي للحق بالموجودات تفصيلاً عبارة عن الفيض المقدس صحيح ومطابق للبرهان والعيان، فإذا حصّل أحد هذا العلم برهاناً تحصل له الرتبة الأولى من حضور القلب في المعبود وهي أن يكون في جميع الأوقات وخصوصاً وقت العبادة الذي هو وقت الحضور ملتفتاً إلى أن العالم جميعه محضر ربوبي وجميع الموجودات هي نفس الحضور في المحضر المقدس، وأن الحركات والسكنات والعبادات والطاعات والمعاصي والمخالفات كلها تقع في محضر الحق وحضرته المقدسة، ومن حصلت له هذه العقيدة صدقاً فإنه يمتنع عن المخالفة فطرةً بمقتضى الفطرة الإلهية وهي احترام المحضر وحفظ الحضور لأن احترام المحضر وأدب الحضور من الفطرة الإلهيّة التي فطر الإنسان عليها خصوصاً إذا كان المحضر محضر الكامل العظيم الجميل المنعم. فإن احترام كل منها مكتوب على وجه الاستقلال في كتاب الفطرة الذي هو أفصح الكتب الإلهية.

وأمّا نحن فإن لم نحافظ على أدب الحضرة مع العلم بهذه الحقيقة فذلك لأنّ علمنا لم يتجاوز حد الإدراك والعقل، ولم يصل إلى مقام الإيمان والقلب كما أشير إليه وإلاّ فالإنسان مجبول ومفطور على الموافقة بالفطرة.

وبالجملة، المرتبة الأولى من حضور القلب في المعبود أن يعلم بالعلم البرهاني أن العالم محضر للربوبية، ويرى عبادته وجميع حركات باطنه وظاهره عين الحضور ونفس المحضر. ومن المعلوم أن الثناء من مثل هذا الشخص الذي يرى نفسه بثنائه في المحضر يفترق عن ثناء المحجوبين بفروق كثيرة.

والمرتبة الثانية لحضور القلب في التجلّي الفعلي مرتبة الإيمان والاطمئنان التي تحصل من تذكّر الحبيب في السرّ والعلن ومن مناجاة ذاته المقدسة والخلوة معها، وعند ذلك تزداد نورانيّة العبادة وينكشف لقلب العابد سرّ من أسرار العبادة وبعد الرياضات والمجاهدات ودوام التذكير والعشق بالحضور والخلوة والتضرّع والانقطاع التام للسالك يتجاوز مرتبة الاطمئنان والعرفان ويصل إلى مرتبة الشهود والعيان. ويتجلى الحق لسرّ قلبه بالتجلّي الفعلي المناسب لقلبه فيجد لذة الحضور ويعشق الحق، فيغفل عن العبادة بلذة فيض الحضور، فيحتجب عن نفسه وعن العبادة ويفنى عن العالم ويشتغل بالتجلّي الفعلي. وإذا وصلت هذه الحالة إلى حد التمكين وخرجت عن التلوين فيظهر على قلب السالك بالتدريج نموذج من التجليات الأسمائية التي هي المرتبة الأخرى من حضور القلب في المعبود أي مقام التجليات الأسمائية.

ولهذا المقام مضافاً إلى مشاركته المقامات في المراتب السابقة ذكرها تفصيلاً مراتب كثيرة أخرى تعجز الطاقة البشرية عن إحصاء كليّاتها فكيف بجزئياتها. ونموذج تلك المقامات أن الإنسان حيث إنه مراتب الاسم الجامع ومربوب للاسم الأعظم فيمكن له أن يكون جامعاً لجميع التجليات الأسمائية جمعاً وفرقاً فبطريق الفرق تكون للأسماء الكلية الإلهية وهي ألف اسم تجلّ على قلبه جمعاً فيمكن أن يكون لكلّ من الأسماء مزدوجاً باسم آخر أو اسمين أو أسماء ثلاثة وهكذا إلى آخر الأسماء وكذلك المراتب المتصورة للتركيبات الأسمائية في هذه الأسماء الألف الكلية على حسب التركيب تجلّ على قلبه. وأيضاً إن قلب الإنسان الذي هو قابل لهذه التجليات هو بنفسه مظهر لجميع الأسماء وبالطريق الكلي مظهر لألف اسم، فتختلف التجليات له باعتبار مظهريته لكل من الأسماء جمعاً وتفريقاً وفي مراتب الجمع على الترتيب الذي ذكرنا ولا بدّ أن يقال لمثل هذا العدد أنه خارج عن مجال الإحصاء {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} (إبراهيم34). والحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال ((علمني رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاته ألف باب من العلم ينفتح من كل باب ألف باب)) لعله إشارة إلى التجليات الفرقيّة.

وبعد التجليات الأسمائية تحصل التجلّيات الذاتية التي هي آخر مرتبة حضور القلب في المعبود ولها أيضاً مراتب. وحيث أننا محجوبون عن أكثر مراتب حضور القلب اقتصرنا على ذكرها الاجمالي والأحرى أن نبيّن المراتب الأولية لحضور القلب لعلّنا نحصّل النتيجة المطلوبة من بيانها.

 

الفصل الخامس: في كيفية تحصيل حضور القلب

 

بعدما علمت مراتب حضور القلب فالأفضل والأهم أن يكون الإنسان بصدد معالجة النفس، وإذا كانت يده قاصرة عن الوصول إلى ذيل جميع مراتبه فلا أقل من أن يصرف همته في تحصيل بعض مراتبه الذي تسقط العبادة بأقل منه عن درجة الاعتبار ولا تكون مورداً للقبول في جنابه المقدس.

فليعلم أن منشأ حضور القلب في أيّ عمل من الأعمال وسبب إقبال النفس عليه وتوجهها إليه أن يتلقى القلب ذلك العمل بالعظمة ويعدّه من المهمّات وهذا وإن كان واضحاً ولكنه يكون أوضح بذكر مثال لذلك:

إذا أجاز لك السلطان حضورك في محفل أنسه العظيم وجعلك مورداً للتوجّه والتلطّف بحضرة الجميع فحيث أن هذا المقام عظيم في قلبك ويتلقاه القلب بالعظمة والأهمية فلهذا يحضر قلبك بتمامه في ذلك المحضر ويحافظ على جميع خصوصيات المجلس ومخاطبات السلطان وحركاته وسكناته. ويكون قلبك حاضراً في المحضر في جميع الأحوال ولا يغفل عنه ولو للحظة وعلى خلاف ذلك إذا كان المخاطب غير مهمّ ويراه القلب تافهاً فلا يحصل لك حضور القلب في المكالمة معه وتكون غافلاً عن حالاته وأقواله.

ومن هنا يعلم السبب في عدم حضور قلوبنا في العبادات وغفلتها عنها. فنحن لو أهمتنا المناجاة للحق تعالى ومناجاة ولّي نعمنا بمقدار ما تهمّنا المكالمة مع مخلوق عادي ضعيف لما حصل لنا هذا القدر من النسيان والغفلة والسهو. ومن المعلوم جداً أن هذا التساهل والتسامح ناشئ من ضعف الإيمان بالله تعالى وبالرسول وبأخبار أهل بيت العصمة، بل هذه المساهلة ناشئة من التساهل بالمحضر الربوبي ومقام القدس للحق تعالى.

إن ولي النعم هو الذي دعانا إلى مناجاته وحضرته بلسان الأنبياء والأولياء بل بقرآنه المقدس، وفتح لنا أبواب المكالمة والمناجاة. معه ومع هذا الوصف لا نلتزم أدب حضرته بقدر المذاكرة مع عبد ضعيف، بل كلّما شرعنا في الصلاة التي هي باب من أبواب محضره الربوبي وحضور جنابه فكأنّها فرصة لنا لنشتغل بالأفكار المتشتتة والخواطر الشيطانية، فكأن الصلاة مفتاح الدكان أو آلة المحاسبة أو أوراق الكتاب فلا يحتسب هذا إلاّ من وهن الإيمان وضعف اليقين دون غيرهما. ولو علم الإنسان العواقب والمعايب لهذا التساهل وراح ينبّه القلب بذلك فإنه سيكون في صدد الإصلاح لا محالة ويعالج نفسه البتة.

إن الإنسان إذا لم يتلق أمراً بالأهمية والعظمة فينجر الأمر بالتدريج إلى تركه. وترك الأعمال الدينية، يوصل الإنسان إلى ترك الدين. وقد شرحنا ذلك في شرح الأربعين، كما أنّ الإنسان إذا أفهم القلب أهمية العبادات والمناسك ينصرف عن هذه الغفلة والتساهل وينتبه عن هذا النوم الثقيل.

فيا أيها العزيز تفكر قليلاً في حالاتك وراجع أخبار أهل بيت العصمة وشمّر ذيل الهمة عن ساقيك وفهّم النفس بالتفكر والتدبّر أن هذه المناسك وخصوصاً الصلاة وبالأخص الفرائض منها سبب للسّعادة والحياة في عالم الآخرة، ومنبع الكمالات ورأس مال الحياة في تلك النشأة. وبحسب الروايات الكثيرة في الأبواب المتفرقة وضرب من البرهان ومشاهدة أصحاب الكشف والعيان، إن لكل من العبادات المقبولة صوراً غيبية بهية وتمثالاً ملكوتياً أخروياً يصاحب الإنسان ويرافقه في جميع النشآت الغيبية ويساعده في جميع الشدائد. بل الجنة الجسمانية في الحقيقة هي الصور الغيبية الملكوتية للأعمال ومسألة تجسّم الأعمال من الأمور التي لا بدّ أن تعد من الواضحات. والعقل والنقل يتوافقان فيها. وتلك الصور الغيبيّة تابعة لحضور القلب وإقباله والعبادة التي لا يؤتى بها بتوجه

من القلب وإقباله ساقطة عن درجة الاعتبار، وغير مقبولة لجناب الحق. ونحن نكتفي في هذا المقام بآية وآيتين وقليل من الأحاديث تكفي للإنسان الخبير اليقظان. قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} (الماعون4-5).وقال {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون1-2). ففاقد الخشوع في صلاته ليس من أهل الإيمان والفلاح، وتكفي لأهل التفكر والتدبر هاتان الآيتان فالويل لمن قال الله تعالى في حقه الويل له وإن شيئاً يذكره العظيم المطلق بهذه العظمة والأهمية فمعلوم ما يتبعه من الظلمة والوحشة والنقمة. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: ((اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).

وهذا الحديث الشريف يشير إلى مرتبتين من حضور القلب في المعبود إحداهما حضور القلب في التجلي الذاتي أو الأسمائي، والأخرى حضور القلب في التجلي الفعلي بمرتبة وهي أن يرى العابد نفسه حاضراً في المحضر الربوبي فيأتي بأدب الحضور وآداب المخاطبة للجناب الربوبي في تلك الصورة بالفطرة.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ((إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر. وإن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها وليس لك من صلاتك إلاّ ما أقبلت عليه بقلبك)).

وبهذا المضمون وردت روايات أخرى وعن باقر العلوم عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ((إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله إليه. أو قال أقبل الله عليه حتى ينصرف وأظلّته الرحمة من فوق رأسه يقول أيها المصلّي لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما التفتّ ولا زلت من موضعك أبداً)) ويكفي لأهل المعرفة هذا الحديث الشريف. فما في إقبال الحق هذا إلى العبد من الكرامات والأنوار لا يعلمه غير الله ولا تستقيم له عقول البشر ولا يخطر على قلب أحد.

وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ((طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطي غيره)).

وعن الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء89). قال ((السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه)) قال ((وكل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط وإنّما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة)) (وسائل الشيعة أبواب مقدمة العبادات). وعن أبي جعفر عليه السلام قال ((كان علي بن الحسين عليه السلام إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفضّ عرقاً وكان عليه السلام إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه إلا ما حركت الريح منه)) [أسرار الصلاة للشهيد الثاني]. وعن أبي حمزة الثمالي قال ((رأيت علي بن الحسين عليه السلام يصلي فسقط رداؤه عن منكبه فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته قال فسألته عن ذلك فقال ويحك أتدري بين يدي من كنت إن العبد لا تقبل منه صلاة إلاّ ما أقبل منها فقلت جعلت فداك هلكنا فقال: كلا إن الله متمّم ذلك للمؤمنين بالنوافل)) [ وسائل كتاب الصلاة].

والأخبار في هذا أكثر من أن تكتب في هذه الأوراق ويؤدّى حق بيانها ونحن نختم هذا الفصل بذكر نقطة لا بد من العلم بها وهي أنّه من الفوائد المهمة للعبادة التي قد اتفق العقل والنقل عليها وينبغي أن تعدّ من أسرار العبادة، أن لكلّ عبادة أثراً يحصل في القلب قد عبّر عنه في الرواية بزيادة النقطة البيضاء أو توسعها ولا بدّ أن يعلم أن بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين سرّه وعلنه ربطاً وعلاقة طبيعية بحيث تكون لآثار كل منهما وأفعاله وحركاته سراية عظيمة في الآخر، وتأثير غريب فيه. وهذا المطلب مضافاً إلى أنه مطلب برهاني فالوجدان والعيان أيضاً شاهدان عليه فإن حالات صحة البدن ومرضه والعوارض المزاجية والحالات الداخلية والخارجية، مؤثرة في الروح وكذلك العكس فإن الحالات الخلقية والروحية والملكات النفسية مؤثرة في الحركات والسكنات والأفعال البدنية طبعاً ومن غير رويّة.

 وينتج من هذا أن لكلّ من الأعمال الخيرية والشرّيّة تأثيراً في النفس إمّا أن يوجهها إلى الدنيا وزخارفها ويحجبها عن الحق والحقيقة ويجعلها منسلكة في سلك الحيوانات والشياطين، أو يوجّهها إلى الآخرة ويجعل القلب إلهياً ويكشف له حجاب الجمال والجلال ويجعلها منخرطة في سلك الروحانيين ومقرّبي الحضرة.

وهذه الأفعال العبادية والمناسك الإلهية مضافاً إلى أن لها صوراً غيبية بهيّة ملكوتية تشكّل الجنّة الجسمانية. توجد في الروح أيضاً ملكات وحالات تكون مبدأ للجنّة المتوسطة والجنات الأسمائية، وهذا من أسرار تكرار الأذكار والأعمال. لأن اللسان إذا كرّر ذكر الله فينفتح بالتدريج لسان القلب أيضاً فيكون القلب أيضاً ذاكراً، كما أن من ذكر القلب ينفتح اللسان أيضاً ويكون ذاكراً.

وهذه الفائدة لا تحصل من العبادات وهذه النتيجة لا تنتج فيها إلاّ إذا كان القلب حاضراً وقت العبادة والدعاء والذكر، ولا يكون للأعمال الخيرية تأثير في الروح بوجه إذا كانت مع الغفلة ونسيان القلب. فلهذا نرى أن العبادة منذ خمسين سنة لم تؤثر في قلوبنا أثراً بل تزيد ملكاتنا الفاسدة كل يوم، وهذه الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي معراج المؤمن، وقربان كل تقي لم توصلنا إلى مقام ولم يحصل لنا مقام الصفاء منها.

كان الشيخ العارف الكامل شاه آبادي روحي فداه يقول: ((إن الإنسان في حال الذكر لا بدّ أن يكون كمن يمرّن الطفل على التكلم ويلقنه ليتكلّم، فكذلك على الإنسان أن يلقّن القلب الذكر. وما دام الإنسان ذاكراً باللسان ومشغولاً بتعليم القلب فالظاهر يساعد الباطن. فإذا انفتح لسان القلب فيساعد الباطن الظاهر، كما أن تلقين الطفل أيضاً كذلك، فما دام الإنسان يلقّنه الكلام فهو يساعده وإذا أجرى الطفل ذلك الكلام على لسانه فيدب في الإنسان نشاط يذهب بالتعب السابق. ففي البداية يساعده المعلّم وفي النهاية يأخذ المعلّم العون والمساعدة منه. وإذا واظب الإنسان في الصلاة والأذكار والأدعية على هذا الترتيب مدة فإنّ النفس تعتاده وتكون الأعمال العبادية كالأعمال العادية لا يحتاج لحضور القلب فيها إلى أعمال الروية بل تكون مثل الأمور الطبيعية المعتادة.

 

الفصل السادس: في بيان الأمور التي تعين الإنسان قي حضور القلب

 

وهي في الصلاة أمور سنذكر بعضها في مورده. والآن نذكر علاجاً لمطلق العبادات على الطريق الكلّي، وهو أن يقوم الإنسان بقطع الشواغل الداخلية والخارجية التي أهمها الشواغل القلبية، والسبب العمدة للشواغل القلبية منحصر في حبّ الدنيا وهمّها. فإذا كان همّ الإنسان تحصيل الدنيا والوصول إلى زخارفها فيتوجه القلب بالفطرة إليها وتكون هي الشغل الشاغل له، فإذا انصرف من بعض الأمور الدنيوية يتوجه إلى الأخرى.

ومثل القلب مثل طائر يطير على الدوام من غصن إلى غصن فمل دامت شجرة الأمل للدنيا وحبها قائمة في القلب على ساقها فالطائر القلب متعلّق على أغصانها، فإذا قطع هذه الشجرة بالرياضات والمجاهدات والتفكر في عواقب الدنيا ومعايبها والتدبّر في الآيات والأخبار وحالات أولياء الله فيسكن القلب ويكون مطمئناً ويمكن أن يوفق للكمالات النفسانية التي من جملتها حضور القلب بجميع مراتبه، وإلاّ فبمقدار التوفيق في تقليله يكون موفّقاً في النتيجة، وإذا تأمّل أحد تأملاً قليلاً في عواقب أمر أهل الدنيا وعشاقها والمفاسد التي برزت منهم والعار الذي بقي تذكاراً لهم وقد سوّد صفحات التاريخ وشوّه وجهه وكلها كانت من حبّ المال والجاه وبالجملة من حبّ الدنيا وتفكر في الأخبار والآثار التي وردت من أهل بيت العصمة، والطهارة في ذمّ حبّ الدنيا والمفاسد التي تترتب عليها في الدين والدنيا. فإنه ليصدّق بأن قطع هذا الفساد عن صفحة القلب ومحو هذه الظلمة والكدرة عن فضاء القلب لازم بكل قيمة وضغط ورياضة متيسرة وممكنة، وهذا الأمر ممكن إلى حدّ ما بالإقدام عليه وصرف الهمة إليه وإن كان تركه المطلق لا يتأتى من كل أحد، ولكن تقليله وقطع أغصان هذه الشجرة وإسقاط أوراقها ممكن جدّاً بل يمكن أن يقال أنه أمر سهل. ومن المعلوم أن الإنسان إذا لم يكن أكبر همّه الدنيا ولم تكن وجهة القلب متوجهة بتمامها إلى زخارف الدنيا فيمكنه أن يقسّم حالاته وتفكرات قلبه فيخلص قلبه أحياناً للعبادة. ولعلّه إذا كان بصدد ذلك وواظب قلبه مدة وحافظ على قلبه يصل إلى نتائج حسنة ويصل بالتدريج إلى قطع جذور هذا الفساد.

وليعلم أن الدنيا المذمومة على لسان الأولياء إنّما هي العلاقة والحب والتوجّه إليهما، وإلا فأصل عالم الملك ومشهد الشهادة الذي هو من مشاهد جمال الحق الجميل، ومهد تربية الأولياء والعرفاء والعلماء بالله ودار لتكميل النفوس القدسية البشرية ومزرعة الآخرة من أعزّ المشاهد والمنازل عند الأولياء وأهل المعرفة. فربّ إنسان لم يكن له حظ من الدنيا الخارجية ولكنه من أهل الدنيا بسبب حبّه وتعلق قلبه بها ونسيانه للحق وللآخرة وآخر ذي ملك وسلطنة وجاه ومال كسليمان بن داود عليه السلام وليس من أهل الدنيا بل هو رجل إلهي وإنسان لاهوتي.

ومن المعلوم أنه ليس للعلاقة بالدنيا دخل في إقبالها وحصولها فربّ ذوي علاقة فقراء لم يكن لهم من الدنيا سوى فسادها ونكبتها، وأشخاص بلا علاقة ذوي ملك وحشمة قد جمعوا بين الدنيا والآخرة ونالوا سعادة الدارين.

وقد أشير إلى هذه النكتة في الأحاديث الشريفة كقول علي بن الحسين عليه السلام ((الدنيا دنياوان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة)). وربّما ورد الذمّ البليغ للدّنيا باعتبار التعلق بها أو لصرف العلاقة عنها وذكر الأخبار المتعلقة بهذا الباب والجمع بينها وبين الاعتبار العقلي فيها خارج عن وظيفة هذا المختصر.

وبالجملة ما هو شوك طريق الوصول إلى الكمالات والشيطان القاطع لطريق مقام القرب والوصول، ويصرف الإنسان عن الحق ويحرمه لذة المناجاة معه ويظلم القلب ويكدّره فهو حبّ الدنيا الذي جعلته الأحاديث الشريفة رأس كل خطيئة ومجتمع المعاصي، والأخبار في هذا الباب ومتعلقاته أكثر من أن يحويها هذا المختصر.

فعلى الإنسان أن يقلّل عند العبادة من اشتغالات القلب وخواطره ويخصص وقتاً للعبادة تكون شواغله فيه قليلة ويكون القلب في ذلك الوقت أكثر اطمئناناً وأسكن من سواه من الأوقات وهذا أحد أسرار الوقت سنذكر شيئاً منها في محله.

وبعد ما قلّل الشواغل القلبية فلا بدّ له أن يقلل الشواغل الخارجية أيضاً بالمقدار الممكن، ولعل أكثر الآداب الشرعية لأجل هذه الفائدة كالنهي عن الالتفات إلى الأطراف واللعب بالأصابع واللحية وفرقعة الأصابع ومدافعة الأخبثين والريح ومدافعة النوم والنظر إلى نقش الخاتم وإلى المصحف والكتاب والاستماع إلى الكلام الخارجي وحديث النفس وسائر الآداب المكروهة ومثل الآداب المستحبة الكثيرة التي هي لحفظ حضور حضرة الباري جلّت عظمته.

حتى أن الشيخ السعيد الشهيد الثاني قدس الله نفسه يقول في كتاب أسرار الصلاة ((ولكن الضعيف لا بدّ أن يتفرّق به (أي بالإبصار) فكره، فعلاجه قطع هذه الأسباب بأنّ يغضّ بصره أو يصلّي في بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه أو يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ويحترز من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المزينة فلذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته بقدر ما يمكن الصلاة فيه ليكون ذلك أجمع للهمّ)). انتهى كلامه زيد في علو مقامه.

وما ذكره قدس سره من أنه يصلّي في بيت مظلم في غير الفرائض اليومية وذلك لأن إتيانها بجماعة من المسلمين من السنن المؤكدة، بل الإنسان إذا قام بوظائف الجماعة وأسرارها فقد أرغم الشيطان إرغاماً لا يتمكن منه في أية عبادة. وإن في اجتماع المؤمنين وقلوبهم المجتمعة التي تكون اليد الغيبية الإلهية معها لفوائد روحية ومعنوية قلّما تتفق في عمل آخر مضافاً إلى المصالح العامة والاجتماعية التي تترافق معها بل الأفضل لأهل المناجاة وأصحاب القلوب الصلاة بالجماعة حيث أن حفظ أعداد الركعات أيضاً محوّل فيها إلى الغير فيوجّهون قلوبهم بكليتها إلى الحق وإلى مناجاته. نعم غير الفرائض من الصلاة في الخلوات والموارد التي يكون اشتغال النفس فيها أقل أفضل.

وليعلم أن بين القلوب اختلافاً كثيراً وتختلف أحوال كلّ منها أيضاً بحسب الأوقات اختلافاً كثيراً فلا بدّ للإنسان أن يحافظ على قلبه كطبيب معالج وممرض شفيق وأن يدقق في أحواله فإذا كانت الخلوة مناسبة لأحواله فيأتي بالعمل في الخلوة، وإن كان الاشتغال في الخلوة أكثر فيقوم بالعبادة في الخلوة والحمد لله أولاً وآخراً.

 

المقالة الأولى: في مقدمات الصلاة

وفيها عشرة فصول:

الفصل الأول: في الطهارة

كما أنّ للصلاة مراتب على حسب مراتب المصلّين والسالكين إلى الله ومقاماتهم كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، كذلك شرائطها وآدابها ومقدماتها ومقارناتها فإنّها على حسب مراتبهم ومقاماتهم. ونحن نذكر في المقام نموذجاً بطريق الإجمال فيعلم سائر الشرائط بالمقايسة ولا تحتاج إلى التكرار.

فالطهارة للصلاة الصورية وصورة الصلاة: الطهارة الصورية وصورة الطهارة بالماء المطلق الذي هو سر الحياة، وبالصعيد الذي هو منتهى التجليات عند أصحاب المعرفة.

وطهارة أهل الإيمان: تطهير الظاهر من أرجاس المعاصي ومن إطلاق الشهوة والغضب.

وطهارة أهل الباطن: التنزيه عن القذارات المعنوية والتطهير عن كثافات الأخلاق الذميمة.

وطهارة أصحاب الحقيقة: التنزيه عن الخواطر والوساوس الشيطانية والتطهير عن أرجاس الأفكار والآراء الضّالة المضلّة.

وتطهير أرباب القلوب: التنزيه عن التلوينات والطهارة عن التقلبات والتطهير عن الاحتجاب بالعلوم الرسمية والمصطلحات.

وطهارة أصحاب السّر: التنزيه عن الاحتجاب عن المشاهدات.

وطهارة أصحاب المحبّة والمجذوبين: التنزيه عن التوجه إلى الغير والغيريّة والتطهير عن الحجب الخلقية.

وطهارة أصحاب الولاية: التطهير عن رؤية المقامات والمدارج والتنزيه عن الأغراض والغايات إلى آخر مقام الولاية الذي طهارته التنزيه عن تعينات التجليات الأسمائية والصفاتية.

وطهارة أرباب الصحو بعد المحو وأصحاب التمكين: التنزيه عن التلوين بعد التمكين والتطهير عن غلبة بعض التجليات على بعض وهو مقام رؤية مظهرية أحدية الجمع.

فللكمّل من الأولياء جميع أنواع الطهارة محققة فإن ظاهرهم طاهر من جميع القذارات الصورية، وحواسهم طاهرة عن الاطلاق فيما لا يحتاج إليه وأعضاؤهم طاهرة عن التصرف فيما يخالف رضا الحق تعالى إلى آخر مراتب الطهارة. قال تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الاحزاب33).

وليعلم أن كل صلاة للسالكين إلى الله مشروطة بطهارة خاصة لتلك الصلاة وبدونها لا يمكن التوصل إلى تلك الصلاة كما قال تعالى في الآية الشريفة {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة79). فلا يمس ظاهره إلاّ أهل الطهارة الظاهرية ولا يمسّ باطنه إلاّ أهل الطهارة السرّية. فلا يصل أحد إلى صلاة أهل الباطن إلاّ إذا غسل يده ووجهه من عين الحياة القلبية ومسح بفضله من الرأس إلى القدم ومن أول محل الإدراك إلى منتهى آلة التحريك فيهيئ نفسه ظاهرة مطهرّة بكليتها لجناب الحبيب ونحن نذكر بعد ذلك على نحو الإجمال صلاة الأولياء وأهل المعرفة إن شاء الله تعالى.

والآن نصرف عنان القلم إلى نقطة من الضروري للعامّة علمها وهي أن الله تبارك وتعالى حيث لم يهمل الطهور الظاهر، وتنظيف القشر وطهارة اللباس والبدن المتعلقة بأدب أهل الدنيا وأهل الظاهر، وجعل النظافة من الإيمان، ولم يهمل الآداب الظاهرية التي هي أعمّ من أن تكون راجعة إلى المعاشرات والمعاملات أو راجعة إلى الآداب الظاهرة للبدن الذي هو قشر للإنسان وليس له دخل في الحقيقية الإنسانية بوجه بل تكون راجعة إلى ملابسات البدن التي لا ترتبط بالإنسانية أصلاً كاللباس والمكان والماء وأمثالها. وجعل طهارة كل منها إمّا شرطاً لتحقق الصلاة أو شرطاً لكمالها. فغير ممكن أن يهمل طهارة القلب وتنظيف الباطن وتنزيهه من القذارات المعنوية التي لا تقاس بالقذارات الصورية، وتكون سبباً للهلاك الأبدي والظلمة والكدورة والضغطة الدائمية وأن يهمل طهارة لباس التقوى الذي هو خير الألبسة من التلوث بقذارات تجاوز الحدود وطهارة العقل من التلوّث بقذارات الآراء الفاسدة والعقائد المهلكة. بل يظهر من الرجوع إلى الكتاب الإلهي وأخبار الأنبياء والأولياء وآثارهم أن الاهتمام بتطهير القلوب أكثر منه بتطهير الظواهر، بل جميع الأعمال والأفعال الظاهرة مقدمة لتطهير القلوب كما أن تطهير القلوب مقدمة لتكميلها.

فعن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء89). قال: ((السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه وقال كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط وإنما أراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم في الآخرة)). وعن أبي جعفر عليه السلام قال ((ما من عبد إلاّ وفي قلبه نقطة بيضاء فإن أذنب ذنباً خرج في تلك النقطة نقطة سوداء فإن تاب ذهب ذلك وإن تمادى في الذنوب زاد في السواد حتى يغطّي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً وهو قول الله عز وجل {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين14).)). وقال الشهيد الثاني (قده) في الحديث ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم)) وبالجملة من المهمات التي لا بد للإنسان أن يقوم بها بكلّ عدّة وعُدة وبكل رياضة ومجاهدة ويخلّص نفسه من قبحها وعارها، تطهير القلوب من القذارات المعنوية والأوساخ الخلقية، فإنه إن قام في المحضر الربوبي بدون ذاك التطهير المعنوي فلا ينال غير صورة الصلاة وقشرها وسوى التعب والمشقة قال تعالى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ} (المائدة/27). إن التقوى مطلقاً من شرائط قبول الصلاة. وتقوى الباطن وهي تطهير الباطن من ذمائم الأخلاق كالكبر والحسد والغفلة والكسل وأمثالها من شرائط القبول في نظر أهل المعرفة، ومن شرائط صحة صلاة أهل الباطن. وهكذا على حسب مراتب التقوى إلى الدرجة النهائية منها.

ومن الأمور التي يلزم التنبه لها ولا بدّ للإخوان المؤمنين وخصوصاً أهل العلم كثّر الله أمثالهم بأن يتوجهوا إليها أنّهم إذا شاهدوا أو سمعوا كلاماً من بعض علماء النفس وأهل المعرفة فلا يرمون بالفساد والبطلان بمجرّد أن الكلام المذكور غير مأنوس لآذانهم أو أنه مبني على اصطلاح خاص ولا يهينوا أهله أو يحقرّوهم ولا يتوهّموا أن كل من تفوّه بمراتب النفس ومقامات الأولياء والعرفاء وتجليات الحق والعشق والمحبة وأمثال ذلك الرائجة في مصطلح أهل المعرفة فهو صوفي أو مروّج دعاوي الصوفية أو أنه نسّاج الكلام من دون برهان عقلي أو حجة شرعية.

ولعمر الحبيب إن كلماتهم نوعيّاً شرح لما بينه القرآن والحديث. فتفكّر في هذا الحديث الشريف الوارد عن الصادق عليه السلام في القلب السليم وانظر هل يقبل الحمل على غير الفناء الذاتي وترك النفس والنفسانية والإنيّة والأنانية الموجود في لسان أهل المعرفة؟.

وهذه المناجاة الشعبانية التي وردت عن أمير المؤمنين وأولاده المعصومين سلام الله عليهم وقد قرأتها غير مرّة هل تأملت وتدبّرت جملاتها وأن الغاية القصوى لآمال العارفين ومنتهى أمل السالكين هذه الفقرة الشريفة من ذلك الدعاء الشريف:

(إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعزّ قدسك). فما المقصود من هذا التعلق بعزّ القدس؟ وما حقيقة (ولاحظته فصعق لجلالك) غير الصعق الذي على لسان الأولياء؟ هل المقصود من التجليات التي وردت في دعاء السمات عظيم الشأن غير التجليات والمشاهدات على لسانهم؟ أو هل رأيتم في كلام أحد من العرفاء كلاماً أرفع من الحديث المروي في الكتب المعتبرة للشيعة والسنة ويمكن أن يقال أنه من الأحاديث المتواترة وهو ((ما يتقرب إليّ عبد من عبادي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه وإنه يتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبّه فإذا أحببته كنت إذاً سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته)) وبالجملة فإن الشواهد أكثر من أن يسعها هذا المختصر.

ومقصودنا من هذا التطويل أن نقرّب الإخوان الإيمانيين قليلاً إلى المعارف ونزيل سوء الظن الذي حصل فيهم لعلماء الإسلام العظام فنسبوهم إلى التصوف وما قصدنا تطهير أذيالهم المقدسة عن هذه الألواث لأن العبد لا يذل عند الله بتوهين الخلق وتحقيرهم إذا كان طاهراً في نفسه، بل العمدة في ذلك أن نجلب أنظار القارئين إلى المعارف الإلهية وإلى تهذيب الباطن فإن كليهما من المهمّات بل هما غاية بعثة الأنبياء وإنزال الكتب.

فيا أيها العزيز لا يوسوس الشيطان في صدرك ولا يقنعك بما أنت عليه فتحرك قليلاً وتجاوز من الصورة ومن القشر بلا لبّ واجعل ذمائم أخلاقك وحالاتك النفسية تحت المطالعة والمداقّة واستأنس بكلمات أئمة الهدى عليهم السلام وكلمات الأعاظم فإن فيها بركات.

وعلى فرض أنك لا تعرف أحداً من العرفاء فاتبع الأعاظم من علماء المعرفة والأخلاق المقبولين عند الجميع كجناب العارف بالله والمجاهد في سبيل الله والسالك إلى الله الشيخ الجليل البهائي قدس سره. وشيخ أرباب المعرفة مولانا محمد تقي المجلسي رضوان الله عليه. وشيخ المحدثين ابنه الكريم مولانا المجلسي رحمة الله عليه. وطالع كتاب شرح الفقيه لمولانا المجلسي الأول وهو من الكتب النفيسة والجليلة القدر ألّف باللغة الفارسية وإن لم تفهم فسائل أهله فإن فيه كنوزاً من المعرفة وكذلك الكتب العزيزة للشيخين النراقيين. ومن العلماء المعاصرين طالع كتب الشيخ الجليل القدر العارف بالله الحاج ميرزا جواد التبريزي قدس سره فلعلك تخرج عن هذا التأبي والتعسف إن شاء الله ولا تضيع عمرك بالبطالة كالكاتب الخالي عن مقامات المعرفة والإنسانية فإنك إن رحلت عن هذا العالم بهذه الحال لا سمح الله فإنه ستتبعها الحسرات والندمات التي لا تجبر والظلمات والكدورات التي لا تنتهي.

اللهم نبهنا من هذا النوم الخطير ونجّنا من حبنا لأنفسنا ومن إعجابنا بأنفسنا واهدنا إلى الصراط المستقيم للإنسانية إنك ولي الهداية والتوفيق.

 

الفصل الثاني: في سر التطهير بالماء والتراب

 

قال بعض أهل المعرفة (في الطهور): وهو إمّا الماء الذي هو سر الحياة التي هي أصل العلم لمشاهدة الحي القيوم. قال الله تعالى {وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً} (المؤمنون18). وقال جل وعلا وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} (الأنفال/11). وإما التراب الذي هو أصل نشأة الإنسان قال عز من قائل {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} (طه55). وقال جل جلاله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (النساء/43). وذلك لتفكر في ذاتك لتعرف من أوجدك وممّ أوجدك ولِمَ أوجدك فتخضع له وترفع التكبّر من رأسك لأن التراب هو الأصل في الذلّة والمسكنة. انتهى.

يقول الكاتب: أصل الماء الرحمة الإطلاقية في الوجود قال تعالى {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء30). وعن الصادق عليه السلام ((فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله)) وذلك الأصل هو التجلّي الذاتي بلا تعلّقه بمرآة وتعينه في مجالي الآيات. فالسالك إلى الله إذا وجد الطريق إلى تجلي الفيض الإطلاقي ومشاهدة الجمال بلا تحديد بمثال، فيطهّر بذلك التجلي مقادم وجوده للوصول إلى بساط القرب كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله قفي وضوء المعراج ويأتي الإشارة إليه إن شاء لله، ولا يتوجه إلى الصعيد الذي هو أصل التقييد والتحديد. وإن لم يجد السالك ذلك وفقد ماء سرّ الوجود فيطهّر في مرآة التعيّن الصعيدي والتجلّي التقييدي بعض المحال من وجوده ليشاهد سر الوجود في كسوة التقييد.

فإن ((التراب أحد الطهورين)) ((وربّ الماء هو ربّ الصعيد)) قال تعالى{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} (الزخرف84). فسر الوضوء هو اضمحلال الكثرات في عين الجمع والتيمّم رؤية الوحدة في كسوة الكثرة وسرّ هذا السرّ في الوضوء رؤية الحق ونفي الغير {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} (الحديد3). والتيمّم رؤية الذات المقدسة في كسوة الغير ((لو دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله)) وبالجملة الوضوء غسل اليد والوجه عما سواه {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء89). والتيمم رؤيته في مرائي الأشياء ((ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه أو فيه)) (داخل في الأشياء لا كدخول شيء في شيء) وأيضاً الوضوء تطهير الماء قبل التنزّل والتيمّم تطهير به بعد التنزّل ولهذا صار أحد الطهورين بمقتضى سراية حكم الباطن إلى الظاهر وحكم الغيب إلى الشهادة. وأيضاً الوضوء تطهير من النقائص والحدود {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} (النساء/79). والتيمم رجوع النقائص بالعرض إلى الحق {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (النساء/78).

 

الفصل الثالث: في سر الطهارة المائية

 

عن مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام ((إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله، فإن الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودليلاً إلى بساط خدمته وكما أن رحمته تطهر ذنوب العباد فكذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غير. قال الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (الفرقان48). وقال عز وجل {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء30). فكما أحيا به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك بفضله ورحمته جعل حياة القلوب بالطاعات وتفكّر في صفاء الماء ورقته وطهوره وبركته ولطيف امتزاجه لكلّ شيء وفي كل شيء واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها وأت بآدابها فرائضه وسننه فإنّ تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة إذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عين فوائده عن قريب، ثم عاشر خلق الله تعالى كامتزاج الماء بالأشياء يؤدي كل شيء حقه ولا يتغيّر عن معناه معتبراً لقول رسول الله (ص) ((مثل المؤمن الخالص كمثل الماء)) وليكن صفوتك مع الله في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء طهوراً، وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء)).

فأنت أيها العارف بالمعارف الإلهية والسالك سبيل العوارف الغيبية إذا أردت الطهور المطلق وخرجت عن قيود حجب الألفاظ والعبارات فتوجّه نحو الماء النازل من سحاب الرحمة بقشرك وطهّر القذارات الصورية، وقم بآداب فرائضه وسننه لأن الله تعالى جعل الماء مفتاح قربه ومناجاته ودليلاً إلى بساط خدمته.

وتوجّه بالماء النازل من سماء الرحمة الغفارية إلى باطنك وطهّر قذارات المعاصي بالقيام بآداب فرائضه وسننه التي قالها علي عليه السلام في باب التوبة لأن الله تعالى جعل ماء الرحمة الغفارية مفتاح قربه ومناجاته ودليلاً إلى بساط رحمنه.

وتوجّه بالماء النازل من سماء المشيئة إلى قلبك وطهّر القذارات القلبية والكدورات المعنوية لأن الماء مفتاح القرب المعنوي ودليل الوصول إلى بساط الخدمة.

وتوجّه بالماء النازل من سماء الأحدية إلى روحك وطهّر قذارات التوجّه إلى الغير والغيريّة لأن الماء مفتاح النوافل ودليل الوصول إلى بساط الخدمة.

وتوجّه بالماء النازل من سماء الأحدية المطلقة إلى سرّك وطهّر قذارات رؤية الكثرة لأن الماء مفتاح الوصول إلى بساط الحضور.

وتوجه بالماء النازل من سماء الهداية وطهر رؤية المقام فإنه مفتاح قرب الفرائض والفناء المطلق، ودليل الوصول إلى بساط الحاضر وإلى هذا المقام تنتهي طهارة السالكين إلى الله وطهورهم.

وبعد هذا يشرع طهور أهل الوصول وهو نتيجة قرب الفرائض وهو يشرع من الباطن ويطّلع على القلب ويختم في ملك البدن فلكل من الواصلين طهوراً يختص به وتفصيله خارج عن مجال هذه الأوراق.

وكما أن الصادق عليه السلام بحسب هذه الرواية الشريفة أمر بالتفكّر في الجهات المختلفة للماء وجعل كل تفكر وسيلة إلى الارتقاء إلى مقام، مثل التفكر في إحيائه وصفائه ورقته وطهوريته وبركته ولطف امتزاجه فأنت أيضاً أطع أمر المولى الصادق المصدّق عليه السلام واجعل جميع الجهات الصورية وسيلة للارتقاء إلى المقامات المعنوية. فأحي ظاهرك باستعمال الطهور وأبعد الكسل والفتور والنعاس ببركته عن نفسك، واصف صورتك وتوجه إلى بساط القرب بظاهر طاهر مطهّر، وأحي أعضاءك بطاعة مولاك وأحي باطنك بحياة الفكر في المبدأ والمنتهى والمنشأ والمرجع وأحي قلبك بحياة الإيمان والاطمئنان، وأحي سرّك بحياة التجليات الافعالية والأسمائية والذاتية بمراتبها وتفكّر في صفاء الماء، وامش لمولاك بقدم الصدق والصفاء وتحقّق على مراتب الإخلاص ونحن سنذكر في باب النيّة الإخلاص إن شاء الله تعالى.

وعاشر عباد الله أيضاً بالإخلاص واترك إجراء إرادتك المستقلة في طريق الحق والخلق، وتفكّر في لطف امتزاج الماء بالأشياء فإن امتزاجه لإصلاح حالها وإيصالها إلى كمالها اللائق بها وإحيائها فلتكن كيفية معاشرتك ومعاملتك مع عباد الله أيضاً بهذا النحو. وانظر إلى عباد الله بعين العطف والإصلاح وكن في صدد إصلاح ظاهرهم وباطنهم وإحيائهم حتى هدايتك الضالين، ونهيك أهل العصيان عن المعصية لأجل إصلاح حالهم لا لأجل تنفيذ إرادتك فإذا كان تطهيرك مقارناً بالتفكرات المذكورة فتنفجر لقلبك عيون المعارف والحكم حسب ما وعده الإمام الصادق عليه السلام في هذا الحديث الشريف، وتهتدي إلى أسباب الطهارة وحقائقها وتلتفت بالعنايات الغيبية والرياضات النفسانية إلى حقائقها فتصير بذلك لائقاً للوصول إلى مقام القرب وبساط الأنس.

 

الفصل الرابع: في سر الوضوء

 

روي عن الأئمة الأطهار عليهم السلام: أن آدم لمّا مشى إلى الشجرة وتوجه إليها وتناولها فوضعها على رأسه طمعاً في الخلود وإعظاماً لها أُمرت هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس بأن يطهّروا هذه المواضع بالمسح والغسل ليتطهروا من جنابة الأب الذي هو الأصل. وقد نقل عن الصدوق في مجالسه ما يقرب من هذه الرواية.

اعلم أن آدم عليه السلام كان في جنّة اللقاء في حالة الجذبة ولم يكن متوجّهاً إلى شجرة الطبيعة ولو كان باقياً بتلك الحالة لسقط عن الآدمية ولم ينل سيره الكمالي الذي لابدّ له من نيله في القوس الصعودي، ولم يبسط بساط الرحمة في هذا العالم فتعلّقت الإرادة الأزلية ببسط بساط الرحمة والنعمة في هذه النشأة وفتح أبواب الخيرات والبركات وإخراج الجواهر المخزونة في عالم الملك والطبيعة من أرض الطبيعة، وإخراج أثقالها وهذا الأمر لم يحصل في سنة الله إلاّ بتوجه آدم إلى الطبيعة وخروجه من ذلك المحو إلى الصحو وخروجه من جنة اللقاء والجذبة الإلهية الذي هو أصل الخطيئات، فسلّط عليه القوى الداخلية والشيطان الخارجي لتدعوه إلى هذه الشجرة التي كانت مبدأ لبسط الكمالات ومنشأ لفتح أبواب الفيوضات فأبعدت آدم عن بساط القرب قبل تنزّله ودعته إلى التوجه للطبيعة ليرد الحجب الظلمانية لأن الحجاب لا يمكن خرقه قبل الورود فيه. قال تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} (التين4-5).وهذا الردّ إلى أسفل السافلين أي إلى آخر الحجب الظلمانية من جهة جامعية هذه الأعجوبة الإلهية ومن لوازم تعليم الأسماء والصفات في الحضرة العلمية. فإذا خرج آدم من ظهوره الملكوتي الإيجادي بالتوجه إلى ملكه صار محدثاً بالحدث الأكبر ومجنباً بالجنابة العظمى. وهذا التوجّه لمّا تمثّل في حضرة المثال والجنة الدنيوية فتمثّلت الدنيا في صورة الشجرة وابتلي آدم بالخطيئة بالتوجه والمشي إليها وأخذها باليد ووضعها على الرأس وإعظامها فلا بدّ له ولذريّته وخصوصاً هذه الأمة خير الأمم والعارفة بالأسرار من نور الأولاد الأطهار من جبران تلك الخطيئة، فيطهّرون موارد تلويث ظاهره بالماء الطاهر النازل من حضرة الرحمة ويطهّرون موارد تلويث باطنه وقلبه بماء التجليات من حضرة اللاّهوت. فعند تطهير الوجه يغسلون قلوبهم عن الغير بالكلّية وعند تطهير اليد يطهرونها من مرفق التلّوث بالدنيا إلى منتهى أصابع المباشرة لها، ويمسحون بفضله أقصى عرش التوجه إلى الطبيعة ومنتهى المشي إليها وإلى حصول آمالها فيخرجون من فضول التوجّه إلى الملك وبقايا آثاره، ويخرجون من خطيئة الأب الأول والذي هو الأصل ومن جنابته.

وفي العلل بإسناده في صلاة المعراج ثم قال ربي عزّ وجلّ يا محمد مدّ يدك فيتلقاك ماء يسيل من ساق عرشي الأيمن فنزل الماء فتلقّيته باليمين فمن أجل ذلك أوّل الوضوء باليمنى ثم قال يا محمد خذ ذلك واغسل به وجهك وعلّمه ذلك فإنك تريد أن تنظر إلى عظمتي وأنت طاهر ثم اغسل ذراعيك اليمين واليسار وعلّمه ذلك، فإنك تريد أن تتلقى بيديك كلامي وامسح بفضل ما في يديك من الماء رأسك ورجليك إلى كعبيك وعلّمه المسح برأسه ورجليه وقال: إني أريد أن أمسح رأسك وأبارك عليك فأما المسح على رجليك فإني أريد أن أوطئك موطئاً لم يطأه أحد قبلك ولا يطؤه أحد غيرك ((الحديث)).

فأنت أيضاً أيها الشقيق العرفاني والرفيق الإيماني متأسيّاً بقدوة أهل المعرفة واليقين مدّ يدك اليمنى إلى رحمة الحق وتلقّ من الماء النازل من ساق العرش الأيمن فإن الحق تعالى لا يردّ الفقراء إلى الله صفر الأيدي ولا يرد كشكول أرباب الحوائج فارغاً، فخذ من ذلك الماء ماء الرحمة واغسل به وجهك المتلوّث بالدنيا بل بما سوى الله  فإنه لا يمكن النظر إلى عظمة الحق تعالى بتلك القذارات والتلوثات فإن الدنيا والآخرة ضرّتان، ثم اغسل يديك من مرافق رؤية الحول والقوة إلى أصابع مباشرة رؤية الإنيّة والأنانيّة فلا حول ولا قوة إلا بالله فإنه لا يمكن مسّ كتاب الحق بهذه القذارة قذارة استقلال النفس. قال تعالى {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة79). وامسح بفضله رأسك وضع عن رأسك العلوّ والعظمة والتكبر لكي تكون ممسوحاً بيد الحق تعالى وأخرج من رأسك الغير والغيرية لتكون مباركاً ببركات الحق. وطهّر رجل التردّد في شؤون الكثرة لتكون محرماً لمحفل الأنس وضع رأسك تحت قدمك كي تليق أن تطأ بساط العظمة.

 

الفصل الخامس: في ستر العورة

 

وهو عند العامة ستر مقابح البدن عن الناظر المحترم في حال الصلاة. وعند الخاصّة ستر مقابح الأعمال مطلقاً بلباس التقوى خير الألبسة ووقت الحضور في المحضر المخصوص، وعند أخص الخواص ستر مقابح النفوس بلباس العفاف، وعند أهل الإيمان ستر مقابح القلوب بلباس الطمأنينة. وعند أهل المعرفة والكشف ستر مقابح السرّ بلباس الشهود. وعند أهل الولاية ستر مقابح سرّ السرّ بلباس التمكين. وإذا وصل السالك إلى هذا المقام فقد ستر جميع عوراته وصار لائقاً للمحضر وله دوام الحضور، وإن الحق تعالى جلّت رحمته ووسعت ستّاريّته ستّار جميع عورات الخلق ومقابحهم بإكرامه لنوع البشر بألبسة مختلفة لتستر المقابح الظاهرية البدنية. وستر المقابح الأعمالية بستر الملكوت ولولا هذا الستر الملكوتي على صور أعمالنا عباد الله ونتيجة لعدم الستر لو تظهر الصور الغيبية لها لافتضحنا وذللنا في هذا العالم، لكن الحق تعالى وجلّت عظمته قد سترها عن أنظار أهل العالم بستاريته وستر المقابح الأخلاقية وملكوت ملكاتنا الخبيثة بهذه الصورة المعتدلة المستقيمة الملكية. لو هتك هذا الستر وظهرت صور ملكات الأخلاق لكنا كلنا الآن على الصورة المناسبة لتلك الملكة الباطنية كما سنكون في غير هذا العالم وقت ظهور السرائر، ويوم بروز الملكات. وفي الحديث ((يحشر بعض الناس على صور تحسن عندها القردة والخنازير)) وفي الكافي الشريف عن أبي عبدالله عليه السلام قال ((إن المتكبرين يجعلون في صور الذرّ يتوطّاهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب)).

وبالجملة هذه الصورة الإنسانية حجاب ألقته ستّارية الحق على عوراتنا الباطنية، كما أنه تعالى يستر مقابح القلوب والأسرار بستاريته الأفعالية والأسمائية والذاتية عن جميع الموجودات الملكية والملكوتية على حسب مراتبها. ويلزم لسالك سبيل الآخرة والمجاهد في سبيل الله أن يستر عوراته الباطنية والسرّية بالتمسك بمقام غفارية الحق وستاريّته وهو التحقق بحقيقة التوبة. ويستر نفسه بالورود في منزل الإنابة وقد شرحنا بعض مراتب التوبة في شرح الأربعين.

وصل عن مصباح الشريعة. قال الصادق عليه السلام ((أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى وأنعمه الإيمان قال الله عز وجل {ولباس التقوى ذلك خير} وأما اللباس للمؤمنين فنعمة من الله يستر بها عورات بني آدم، وهي كرامة أكرم الله بها عباده، ذرية آدم عليه السلام، ما لم يكرم غيرهم وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم. وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله عز وجل بل يقربك من شكره وذكره وطاعته ولا يحملك فيها على العجب والرياء والتزيّن والمفاخرة والخيلاء، فإنها من آفات الدين ومورثة القسوة في القلب. فإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله تعالى عليك ذنوبك برحمته والبس بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة، واعتبر لفضل الله عز وجل حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء. ولا تفضح أحداً، حيث ستر الله عليك أعظم منه. واشتغل بعيب نفسك واصفح عما لا يعنيك حاله وأمره، واحذر أن تفني عمرك لعمل غيرك ويتّجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله عز وجل في العاجل، وأوفر أسباب العقوبة في الآجل. وما دام العبد مشتغلاً بطاعة الله تعالى ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل عن الآفات خائض في رحمة الله عز وجل يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان. وما دام ناسياً لذنوبه جاهلاً لعيوبه راجعاً إلى حوله وقوته فلا يفلح إذاً أبداً)). صدق ولي الله إن التفكر والتدبر في هذا الكلام الجامع يفتح أبواباً من الحكم والمعارف لأهل المعرفة وأصحاب القلوب، ويبيّن كيفية تعامل العبيد مع الحق تعالى.

يلزم السالك إلى الله والمجاهد في طريق المعرفة ألا يغفل في حال من الأحوال وفي طور من الأطوار عن وظيفة العبودية وحفظ محضر الربوبية جلت عظمته ويعطي حظّ القلوب والأرواح حتى في الأمور العادية وآداب المعاشرة ويشاهد الحق تعالى ونعمه وعطيّاته في كل شيء، فحينما يلبس اللباس الظاهر فلا يكون غافلاً عن خير الألبسة وهو لباس التقوى والإيمان وكما أنه يستر باللباس الظاهر، العورة الظاهريّة فيستر بتلك الألبسة العورة الباطنية التي هي أقبح من الظاهرية، وتكون كرامات الحق تعالى وألطاف تلك الذات المقدسة منظورة له ويلبس لباس الظاهر لأداء وظيفة العبودية، ولباس الباطن لآداب الحضور في المحضر الربوبي. ويكون أحسن الألبسة الظاهرية والباطنية عنده ما يذكّره الحق ولا يكون موجباً للغفلة عن ذكره، فيختار في مادة اللباس الظاهر وهيئته ما لا يكون موجباً لطغيان النفس، ومورثاً للغفلة عن الحق وما لا يسلكه في زمرة أصحاب العجب والرياء والمفاخرة والتكبّر والتزيّن، ويكون ملتفتاً إلى أن للرّكون إلى الدنيا حتى في هذه الأمور تأثيرات غريبة في النفس توجب هلاكه. ويعلم أن هذه الآثار التي تحصل في النفس بواسطة بعض الألبسة الفاخرة من آفات الدين وتورث قسوة القلب التي هي من أمّهات الأمراض الباطنية، ويكون في الألبسة الباطنية أكثر اهتماماً بألاّ يكون للشيطان والنفس الأمّارة فيها تصرف ولا تبتليه بالعجب والرياء والطغيان، ولا يفتخر على عباد الله بدينه أو تقواه وطاعته وكماله ومعرفته وعلمه، ولا يتكبّر عليهم ولا يأمن من عواقب أمره ومن مكر الله، ولا يحقّر عباد الله وإن كانوا في زيّ الأوباش وأهل المعصية فإن هذه كلها من مهلكات النفس، وموجبة للعجب بالإيمان والأخلاق والأعمال الذي هو منبع جميع المفاسد.

ويتذكر الحق ورحماته الظاهرة والباطنة عند لبسه الثوب وأنه تعالى قد ستر ذنوبه برحمته ويتعامل مع الحق تعالى بالإخلاص والصدق، ويزيّن ظاهره بستر الطاعة وباطنه بستر الخوف والرهبة، ويتذكر عنايات الحق إذ أعطاه أسباب ستر العورات الظاهرة والباطنة ليستر نفسه وعيوبه بستر الغفارية والستارية.

وكما أن الحق تعالى ستار لعيوب عباده كذلك يحب الستّارين، ويكره هتك الستور فالسالك إلى الله ستار عيوب عباد الله ولا يتلف عمره في كشف ستر الناس ويغمض عينه عن عيوب عباد الله وعوراتهم ولا يهتك ستر أحد.

كما أن الله الستار قد ستر عيوبه التي هي أكبر وأفضح عن سائر الناس ويخاف من أنه إن هتك ستر عيوب أحد فالحق تعالى يرفع حجاب ستاريته عن أعماله وأخلاقه، ويفضحه ويخذله في المجتمع. وإنّ مسافر طريق الآخرة تشغله المطالعة في عيوب نفسه وعوراته عن عيوب غيره ولا يتجسّس في أمور لا تنفع حاله أو تضره، ولا يجعل عمله رأس مال لتجارة غيره من الناس بسبب اغتيابه الناس وهتكه سترهم، ولا يكون ناسياً لعيوبه وذنوبه فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبات الحق في الدنيا، فإنه يمنع الإنسان من جبرانها، وهو من أعظم أسباب العقاب في الآخرة , وما دام العبد مشغولاً بطاعة الحق والتدقيق في أحوال نفسه والمطالعة في عيوبه ومتجنّباً ما هو عار في دين الله، فهو بعيد من الآفات ومستغرق في بحر الرحمة وفائز بجواهر الحكمة، وإذا نسي ذنوبه وغفل عن عيوبه وصار مرائياً لنفسه ومعجباً بها واعتمد على حوله وقوته فهو لا يصل إلى النجاة ولا ينال الفلاح.

 

الفصل السادس: في إزالة النجاسة عن البدن واللباس وتخلية الجوف من الأرجاس والباطن من الوسواس الخناس

 

النجاسة هي البعد عن محضر الأنس والمهجورية عن مقام القدس، وهي تنافي الصلاة التي هي معراج وصول المؤمنين ومقرّب أرواح المتقين، والنجاسة عند العامة القذارات المعهودة. وعند الخاصة القذارات المعنوية وعند أهل المعرفة وأصحاب القلوب جميع العالم بحيثيته السوائية التي هي مظهر الشيطان الرجس النجس. وقد ورد في آداب بيت الخلوة ((بسم الله وبالله أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم)). وقال تعالى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} (المدثر5).

فجنّب نفسك ما ينافي محفل أنس المحبوب ومجلس قرب الحبيب، واجعل نفسك محجوراً عنه واهجر الرجس الظاهري بتنظيف البدن واللباس وبتخلية الجوف من أذى رجز الشيطان الذي هو فضول المدينة الفاضلة. واهجر الرجس الباطني المفسد للمدينة العظمى وأمّ القرى بالتخلية التامة والتصفية الكاملة واهجر أصل الأصول والشجرة الملعونة للخبائث بالهجرة عن الإنية والأنانية، وترك الغير والغيرية. فإذا وصلت إلى هذا المقام فقد خرجت من تصرف الشيطان الخبيث المخبث وهجرت الرجز والرجس، وصرت لائقاً للحضور في جناب الجليل، والتخلّع بخلعة الخليل وحصل ركن من ركني الهجرة والمسافرة إلى الله، ومعراج الوصول وهو الخروج من منزل النفس وبيتها. وبقي الركن الثاني وهو يحصل في أصل الصلاة وهو الحركة إلى الله والوصول إلى باب الله والفناء بفناء الله. قال تعالى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (النساء/100). فعُلِم أن لهذا السفر المعنوي ومعراج القرب الحقيقي ركنين يحصل أحدهما في باب الطهارات التي سرّها التخلية وسرّ سرّها التجريد وسرّها المستسر التنزيه والسرّ المقنّع بالسر التنزيه من التنزيه والتقييد. ويحصل الركن الأعظم في باب الصلاة الذي سرّه التجلية، وسر سرّه التفريد وسره المستسر التوحيد، وسره المقنّع بالسّر التنزيه عن التوحيد والتقييد فأطفيء السراج فقد طلع الصبح.

وإذا أمهل الزمان عارفاً فإنه يقدر أن يخرج جميع منازل السائرين ومعارج العارفين من منزلة اليقظة إلى أقصى منزلة التوحيد من هذا المعجون الإلهي والحبل المتصل بين الخلق والخالق، ولكن هذا الأمل خارج عن نطاق بياننا وزائد على مجال كلامنا.

 

الفصل السابع: في مكان المصلي

 

وهو عند العامة مشهور وشرائطه في كتب الفقه مسطورة وعند أهل المعرفة جميع العالم والمصلّي جميع الموجودات وسيأتي إن شاء الله تعالى في أسرار القراءة أن جميع عالم الوجود بالهويّات الوجودية حامد لمقام الحق تعالى المقدس ومثنٍ عليه وخاضع وعابد لجنابه.

وليعلم هنا أن عرش التحقق هو قبّة معبد الموجودات وأرض التعيّن مسجُدها وجميع الموجودات في ذلك المعبد تحت قبة المحضر الربوبي مشغولة بعبادة الحق، وكلّها طالبوا الحق ومحبّوه وعابدوه، ولو كشفت باطن كل ذرة فبواسطة نور فطرة الله الذي يدعوها إلى الخضوع للكامل المطلق لترى شمساً في جوفها {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الحشر24).. {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (الإسراء44).

وعند أهل الولاية فجميع التعينات الأسمائية والأفعالية معبد الحق تعالى والمصلّي نفس ذاته المقدّسة فالمصلي في التعيّنات الأسمائية والصفاتية هو الحق ومكان صلاته نفس التعينات والكعبة هي تعين الاسم الأعظم.

في الحديث ((لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) وفي التجلّي الفعلي بالفيض المقدس الاطلاقي فمكان المصلّي هو تعيّن العالم، والمصلّي في هذا التجلّي الفعلي هو الحق تعالى في الحديث ((إن ربك يصلي يقول سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح)) والإنسان الكامل والنبي الخاتم صلى الله عليه وآله هو الكعبة وفي القدسيات ((لا يسعني أرضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن)) فتعيّن العالم في التجلي الظهوري والقوس النزولي معبد الحق، والحق هو العابد والمعبود وفي التجلي الغيبي والقوس الصعودي، فالمعبد هو الموجودات والعابد هو المظاهر والمعبود هو الظاهر.

وفي مملكة وجود الإنسان الذي هو خلاصة الكائنات والكون الجامع فمظاهر القوى الملكوتية والجنود الإلهية مساجد عبادتهم ومعابد خضوعهم وثنائهم وفي الإنسان الكامل على حسب ظهور الحق في المظهر الأتمّ، فالحق هو العابد والمعبود والإنسان من التعين الأقصى القلبي الغيبي إلى منتهى تعيّن الشهادة، هو المسجد الربوبي على حسب التجليات الذاتية والأسمائية والأفعالية وفي قوس الصعود الحق هو المعبود والإنسان الكامل مع جميع الجنود الإلهية هم العابدون.

وصل عن مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام ((إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت باب ملك عظيم لا يطأ بساطه إلاّ المطهّرون، ولا يؤذن لمجالسته إلاّ الصدّيقون فهب القدوم إلى بساط خدمته هيبة الملك فإنك على خطر عظيم. وإن غفلت، فاعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك، فإن عطف عليك فبفضله ورحمته قَبِل منك يسير الطاعة وأجزل لك عليها ثواباً كثيراً. وإن طالبك باستحقاقه الصدق والإخلاص عدلاً بك حجبك وردّ طاعتك وإن كثرت. فهو فعّال لما يريد واعترف بعجزك وتقصيرك وانكسارك وفقرك بين يديه، فإنك قد توجهت للعبادة له والمؤانسة به. واعرض أسرارك عليه. ولتعلم أنه لا تخفى عليه أسرار الخلق أجمعين وعلانيتهم. وكن كأفقر عباده بين يديه، واخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك فإنه لا يقبل إلا الأطهر والأخلص. وانظر من أي ديوان يخرج اسمك فإن ذقت من حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته وشربت كأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجاباته، فقد صلحتَ لخدمته. فادخل فلك الأذن والأمان وإلاّ فقف وقوفَ مضطّر قد انقطع عنه الحيل وقصر عنه الأمل وقضى عليه الأجل. فإذا علم الله من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة واللطف ووفقك لما يحبّ ويرضى فإنه كريم يحبّ الكرامة لعباده المضطرين إليه، المحترقين على بابه لطلب مرضاته. قال تعالى {أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء})) وإنّما نقلت هذا الكلام الشريف بتمامه لأنه تعليم جامع لأرباب المجاهدة والارتياض، وبابٌ واسع لأهل المعرفة وأصحاب السلوك وإن أهل المعارف لمّا شاهدوا أن العالم مسجد الربوبية فلا بدّ أن يراقبوا القدوم عليه بالطهارة وصفاء الباطن فإن غير المطهّرين لا يقدرون أن يطؤوا البساط المقدس، ولا يؤذن لمجالسته إلاّ الصديقون المخلصون، فهم يرون أنفسهم في جميع الأحوال على خطر عظيم، ويستوحشون من الغفلة في المحضر المقدس لمالك الملوك، وقلوبهم مضطربة من هيبة الجلال المقدس بأن يعاملهم بالعدل ويطالبهم بالإخلاص والصدق، ويحجبهم عن بساط القرب ويردّهم عن مجلس الأنس فيعترفون بالعجز والتقصير ويقرّون بالفقر والفاقة، ويفرّغون قلوبهم عن الشواغل والكثرة التي تحجبهم عن محفل الأنس وتصرفهم عن التوجه إليه لأنهم يعلمون أنه لا يقبل في جنابه إلا الأطهر الأخلص. وإذا صار همّهم همّاً واحداً ولم يشغلهم تكاثر الأموال والأولاد فيجدون لذة المناجاة ويسكرون من كأس رحمة الحق وكراماته ويكونون صالحين للخدمة ولائقين للأنس فيمشون على بسيط العالم الذي هو مسجد الربوبية بإذن الحق وأمانه، ولا تكون تصرفاتهم عن غصب ولا جور. وأمّا الذين لم يحصلوا على هذا الإذن والأمان فهم غاصبو بيت الله وظالمو الحق تعالى فلا بدّ لهم أن يستشعروا اضطرارهم وانقطاع حيلتهم ووسيلتهم وقِصر آمالهم، ويلتجئوا إلى المقام المقدس للحق جلّ شأنه من هذا التقصير والقصور والنقص والفتور، ويكون لسان حالهم وقلبهم {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النمل62). فإذا رأى الحق تعالى صدق لهجتهم فيجبر نقصهم برحمته ويوفقّهم لتحصيل مرضاته فإنه كريم يحبّ الكرامة لعباده المضطرين إليه.

 

الفصل الثامن: في إباحة المكان

 

وهي عند العالمة الخروج من تصرف الشيطان بعدم التعدّي للحدود الإلهية. وعند أهل المعرفة الخروج من تصرّف النفس بعدم رؤية الحول والقوّة لنفسه. وعند الأولياء الخروج من التصرف المطلق بعدم رؤية الذات والأسماء والصفات، فما دامت الأعضاء والقلب في تصرف الشيطان أو النفس فمعبد الحق والجنود الإلهية مغصوب، ولا تتحقق عبادة الحق تعالى فيه، وتقع العبادات للشيطان أو النفس، وبمقدار ما تخرج من تصرف جنود الشيطان تقع مورداً لتصرف الجنود الرحمانية حتى تقع الفتوحات الثلاثة يعني الفتح القريب وهو عندنا فتح الأقاليم السبعة بإخراج الجنود الشيطانية منها ونتيجته التجلّي بالتوحيد الأفعالي {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} (الصف13). والفتح المبين وهو فتح كعبة القلب بإخراج الشيطان الموسوس فيها {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} (الفتح1). والفتح المطلق وهو ترك الرسوم الخلقية وإفناء التعيّنات الشهادية والغيبيّة {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} (النصر1).

وبعد هذا الفتح تكون جميع التصرفات إلهية وتحصل نتيجة قرب النوافل وتفصيلها خارج عن مجال هذه الأوراق.

 

الفصل التاسع: في أسرار الوقت

 

وهو في مسلك أهل العرفان ومشرب أصحاب الإيقان من أول استواء شمس الحقيقة في غاية ظهورها بأحدية جمع الأسماء، وهو وقت صلاة الظهر. وهي صلاة الربّ وصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في المعراج الذي هو مظهر استواء النور الأحدي والجمع الأحمدي، وهو نفسه عرش استواء الرحمن {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه5). ومن هنا يعلم سرّ وقوعها في المعراج مع أن المعراج قد وقع في الليل.

إلى أوّل طلوع شمس المالكيّة من أفق يوم القيامة وهو يوم إتيان اليقين{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر99). فمن أوّل زوال استواء الظهور حيث تشرع شمس الأحدية في الاحتجاب في أفق التعينات وامتداد الأظلال {أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} (الفرقان45).، إلى أن تغرب تحت آفاق التعينات وهو وقت صلاة المقربين وأهل السابقة الحسنى. (إذا زالت الشمس دخل الوقتان) أي وقت الظهر والعصر وهما أفضل الصلوات وليست الصلاة الوسطى خارجة عن هاتين وإن كان الأقرب في نظر الفقاهة أنّ الظهر هي الصلاة الوسطى. وفي مسلك العرفان كلتا الصلاتين بطريق الظاهرية والمظهرية والأولية والآخرية إّنما هي أربع مكان أربع. وقد عبّر في الروايات عن كلتيهما بالصلاة الوسطى. ووقت صلاة العصر وقت خطيئة آدم عليه السلام بالورود في حجاب التعينات والميل إلى شجرة الطبيعة.

وأما صلاة العشاءين في ظلمة ليل الطبيعة والاحتجاب التام لشمس الحقيقة فللخروج عن هذه الظلمة بالتوبة الصحيحة من خطيئة أبي البشر عليه السلام الغريزية بصلاة المغرب، والخروج عن ظلمات القبر والصراط والقيامة، بقايا ظلمة الطبيعة بطريق المشايعة كما في الحديث لأهل بيت العصمة والطهارة، أن المغرب وقت تاب آدم عليه السلام، فصلى ثلاث ركعات ركعة لخطيئته وركعة لخطيئة حواء وركعة لتوبته. وصلاة العشاء لأن للقبر والقيامة ظلمة ترتفع بها ويكون الصراط بها نورانياً.

وأما صلاة الفجر فمن أول بروز آثار يوم الجمع إلى طلوع شمس الحقيقة من أفق يوم القيامة، فإذا حصل الطلوع فيسقط التكليف ويطوى بساط الليل ويتضح سرّ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة/4).

وببيان آخر على لسان أهل المعرفة: من أول زوال نور الحقيقة من المرتبة الاستوائية وغروبه تحت الأستار الخلقية الذي هو مبدأ ليلة القدر إلى منتهى احتجابه بحجب التعينات وهو نصف الليل وآخر القوس النزولي ومنتهى ليلة القدر أوقات الصلوات الأربعة المختلطة من جنبتي الحقّية والخلقية اللتين هما فرض الله وفرض النبي {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (الإسراء78). ومن ابتداء انحدار النجوم وهو وقت رجوع الشمس من حجب التعيّنات إلى الأفق الأعلى، مبدأ يوم القيامة إلى طلوع الشمس من أفق يوم القيامة وقت النوافل الليلية ما دام حكم الليل غالباً. ووقت فريضة الصبح التي هي فرض الله الصرف حين يصير حكم النهار غالباً {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء78). وبعد طلوع الشمس أتاك اليقين وانقطع السلوك فتمام دائرة الوجود ليلة القدر المحمدية إن عرفت قدرها ويوم القيامة الأحمدي إن قمت بالخدمة.

وصل اعلم أن مراقبة أوقات الصلوات التي هي ميقات حضور الرب وميعاد الجناب الربوبي من المهمات عند أهل المراقبة. وكان أهل المناجاة والسلوك ينتظرونه ويعدون أنفسهم وقلوبهم لدخوله ويستقبلونه في حال طهارة الظاهر والباطن، ويتجنّبون تماماً عن سائر الاشتغالات، ويقطعون قلوبهم قطعاً تاماً عن الغير ويوجهونها إلى ميعاد الحق.

فعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله أنّها قالت ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدّثنا ونحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلاً بالله عن كل شيء)). وروي عن مولى الموحّدين علي عليه السلام ((كان إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلوّن فيقال له مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول عليه السلام جاء وقت الصلاة وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها)) وعن علي بن الحسين عليه السلام ((كان إذا حضر للوضوء اصفر لونه فيقال له ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: ما تدرون بين يدي من أقوم؟)) وفي الأحاديث أن الجلوس لانتظار الصلاة عبادة.

وبالجملة فإن الذين كانوا لا يرون عبادة الحق ومناجاة المحبوب المطلق ومكالمة ملك الملوك تكليفاً وكلفة عليهم، فإن كانوا من أهل الحب والعشق فلا يستبدلون ملك الوجود بلذة مناجاة الحق والاشتياق لملاقاة المحبوب، وكانوا يتعاشقون مع الحق وعبادته. وإن كانوا من أهل الإيمان فقد علموا أن حياة عالم الآخرة ورأس المال للوجود والعيش في تلك النشأة هو عبادة الحق والجنة الجسمانية والحور والقصور إنما هي صور أعمال الإنسان {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } (الزلزلة7-8). فبعد أن آمن الإنسان بنتائج أعماله وأهمّيتها فيراقب أوقاتها لا محالة. ونحن ذكرنا سابقاً أن من أسرار العبادات أن لكل منها تأثيراً في القلب وصورة تنوّر القلب وتجعل الجهة الملكية خاضعة عند حضرة الملكوت، وتحصل حالة الانقياد الكامل من جنود النفس الروحانية، وتكون إرادة النفس مستقلّة. وكل من هذه الأمور من المهمّات ولها في العوالم الغيبية تأثيرات، والصورة الغيبيّة لبعضها جنّة الصفات التي هي أعلى من جنة الأعمال. وهذه النتائج لا تترتب على الأعمال وخصوصاً الصلاة وهي خير الأعمال إلاّ إذا أتى الإنسان بها بالتفكّر والتدبّر وحضور القلب وإنّ من الأمور التي تعين الإنسان إعانة كاملة لتحصيل حضور القلب، المراقبة للوقت الذي هو العهد المعهود والميعاد الموعود للحق. والسالك إلى الله والمجاهد في سبيل الله إن لم يتمكن من إعطاء جميع أوقاته الحق فلا أقلّ من أن يراقب هذه الأوقات الخمسة التي أمر الحق تعالى بها ودعاه للملاقاة فيها ويقدّم الشكر إلى الحق تعالى عن روحه وقلبه حيث أجاز له الورود في المناجاة، وأذن له بالخدمة في مجلس الأنس ومحفل القدس فلا يغفل عنها ولا يتخلّف عن وعد الحق فلعلّ المواظبة على الأوقات والمراقبة لميعاد الملاقاة التي تكون في أول الأمر صوريّة وبل لب تصير بتوفيق الحق ومساعدة تلك الذات المقدسة جل شأنه حقيقية وصاحبة لبّ، فينال حينئذ لذّة المناجاة والأنس مع المحبوب ويجد السر الحقيقي للعبادة، وتفتح أبواب عبادة الروح والقلب له ويرى بالتدريج الجنود الإلهية في مملكة وجوده قائمة للعبادة وينكشف لقلبه نموذج من سبحات الجلال والجمال، وينال أول جلوة للتوحيد الأفعالي فيفتح له بعد ذلك سبيل السلوك إلى الله ويصير لائقاً للورود في الصلاة الحقيقية بإذن الله تعالى.

 

الفصل العاشر: في سر استقبال الكعبة

 

وهي أم القرى ومركز بسط الأرض {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (النازعات30). ويد الله وبحيال الله وبحيال البيت المعمور الذي هو سرّ القلب وفي السماء الرابعة. فالكعبة أمّ القرى سرّها البيت المعمور وهو سرّ القلب وسرّ سرها يد الله وسرّها المستتر اسم الله الأعظم، فأهل المعرفة وأصحاب القلوب يسرون حكم التوحيد من السرّ إلى العلن، ومن الباطن إلى الظاهر كما أنهم في سرّ قلوبهم يفنون الجهات المتشتّتة في الوحدة ويجدون سرّ {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} (النور35). وفي الظاهر يفنون الجهات المتشتتة الشرقية والغربية في أم القرى التي لها مرتبة الوسطية ولا شرقية ولا غربية. ويجدون سرّ حيال الله وحيال البيت المعمور وفي صلاة الأولياء التوجه إلى القبلة ظهور سرّ الأحدية في ملك البدن، لأنهم يشهدون بالسرّ الوجودي الوجهة الأحدية الغيبية ويتوجهون إليها ويشهدون سرّ {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} (هود/56). ويجدون سر {لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} (النور35). ويتوجهون بالمرتبة اللطيفة الأجوفية إلى أحدية جمع الأسماء الذاتية التي ليس لها غربية غيب الذات ولا شرقية ظهور كثرة الأسماء والصفات، ويتوجهون بمقام سر الروح إلى حضرة جمع الواحدية التي هي مقام اسم الله الأعظم وليس شرقي الظهور وغربي البطون. ويتوجهون بمقام القلب إلى سرّ البيت المعمور الذي هو مقام التجلّي الفعلي لاسم الله الأعظم ويجدون سرّ لا شرقية ولا غربية، ويتوجهون بالتوجّه الظاهري إلى عين الكعبة الخارجة من شرق المعمورة وغربها ويشاهدون الحق في جميع المرائي بأحدية الجمع.

واعلم أن التحديد بالوجه الخاص وبالوجهة المعينة لإظهار سر الوحدة، ويلزم هذا التحديد للعارف في كل دورة بعدد الحضرات الخمس وإذا تجاوز عن ذلك فالتحديد نقص {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (البقرة/115). فالعارف بالله يشاهد الحق في جميع الأمكنة والأحياز، ويرى الكلّ كعبة الآمال ووجهة جمال المحبوب وخارجاً عن التقييد بمرآة دون مرآة ويقول ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه ومعه وينادي (داخل في الأشياء لا كدخول شيء في شيء) ويسمع روحه نداء {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (الحديد4). ويشهد ذلك والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

 

المقالة الثانية: في مقارنات الصلاة ومناسباتها

وفيها اثنا عشر فصلاً:

الفصل الأول: في الأذان و الإقامة

 

الأذان عند أهل المعرفة إعلام لقوى الملك والملكوت في الإنسان الكبير والصغير للتهيؤ للحضور في جناب الحق تعالى.

والإقامة إحضارها وإقامتها في محضر القدس الكبريائي جل وعلا، فبالتكبيرات الأولية يعلن عجز الموجودات عن القيام بالثناء على الحق تعالى ويعلم قصورها عن لياقة الحضور لتستعد للتنبّه إلى تذللها وخضوعها وخشيتها وخوفها وخشوعها لعلّها تقع مورداً للتّوجه.

وبنفي الألوهية الذاتية. ونفي الألوهية الفعلية عن الغير وقصرها على الذات المقدسة ينفي استحقاق المحامد والثناءات عن الغير ويقصرها على الحق. وبالشهادة برسالة النبي الخاتم في الغيب والشهادة يتوسل إلى المقام المقدس للشفيع المطلق ليُنهي هذا السلوك الإلهي بمصاحبة تلك الذات المقدسة التي هي مقام الولاية المطلقة، ويرتقي إلى معراج الوصول. كان شيخنا العارف الكامل روحي فداه يقول: الشهادة بولاية ولي الله مضمّنة بالشهادة بالرسالة لأن الولاية باطن الرسالة فالمقام المقدس الولوي أيضاً مصاحب هذا السلوك. وفي الحديث ((بعلي قامت الصلاة)) وفي الحديث ((أنا صلاة المؤمنين وصيامهم)) فالسالك إلى الله إذا أعلن قصر الثناء والمحمدة على ذات الحق تعالى واختار الرفيق والمصاحب كما قيل: الرفيق ثم الطريق، يعلن التهيؤ للصلاة بقوله ((حيّ على الصلاة)) ويقرؤه على القوى الملكيّة والملكوتيّة، ثم يعلن سرّ الصلاة إجمالاً بقوله ((حيّ على الفلاح)) و((حيّ على خير العمل)) ويخبر الإنسان وجنوده الملكية والملكوتية فطرة حبّ الحرية والكمال الطبيعي فإن كلتيهما من الفطر الإلهية التي فُطر جميع البشر عليها. وبعد إيقاظ الفطرة وتهيئة القوى يكرّر التكبير والتهليل حتى يتمكن الاعتراف بالعجز والقصور في القلب ويظهر سر الأولية والآخرية.

وفي الإقامة يصفّف الصفوف ويجيّش الجيوش الملكية والملكوتية وبتكرار فصولها يوثّق الحقائق السابقة، ويُحكم الاستشفاع والتوسل وينبّه الفطرة. ثانياً: فإذا وصل العبد إلى هنا فيعلن الحضور فقد قامت الصلاة. ثم إن السالك إلى الله والمجاهد في الله يجعل القلب وهو من خيار الجنود الإلهية في هذه المملكة إماماً ويجمع سائر القوى المتشتتة في الجهات المختلفة ويجعلها مأمومة، ويجمع الجنود المتفرّقة في الأقاليم الظاهرة والباطنة التي فتحت بيد القلب وتجتمع حولها الملائكة القاطنين في الملكوت أيضاً ويقتدون به، فإذا رأى السالك نفسه مقتدي بالجنود الإلهية من الملائكة وقواه الملكوتية ورأى نفسه متقدّماً في هذا السلوك الإلهي والحضور في المحضر الربوبي فلا بد له أن يحافظ على صلاته ويراقبها ولا يغفل عنها ولا يسهو فيها، كي لا يبقى وزر المأمومين على عهدته. فالمؤمن وحده جماعة وإذا حافظ على هذه الجماعة فيزيد فضل صلاته بعدد كل من المأمومين ولعلّه ينكشف له بتوفيق الله بعض أسرار {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة/5). حيث ذكر بصيغة الجمع وإذا لم يراقب ولم يحافظ فيكون كاذباً في هذه الأقوال والأفعال الصلاتية ويدخل في زمرة المنافقين. وبالإضافة إلى أنه ضيّع صلاته يكون قد ضيّع صلاة ملائكة الله لأن الإمام ضامن لقراءة المأموم بل هو حامل وزر سائر الأجزاء والشرائط أيضاً. والطريق الأسلم والأقرب إلى النجاة أن يسلّم المصلي نفسه في جميع الأقوال والأفعال إلى روحانية رسول الله أو مقام تصدّي الولاية أو إمام العصر سلام الله عليه، ويثني على الحق بلسانهم ويتمسك في الأفعال أيضاً بأفعالهم، ويأتم وهو إمام الملائكة والجنود الإلهية بمقام الرسالة والولاية ويكون مأموماً لهما، فيكون طيّ هذا السلوك الروحاني والعروج إلى المعراج الإلهي بالتبعية المحضة والتسليم الصرف لهما، كما أنه كان بهدايتهما فإن علياً الصراط المستقيم وصلاة المؤمنين وهو خفر طريق السلوك (طيّ أين مرحلة بي همر هي خضر مكن)

وصل: عن العلل بإسناده عن أبي عبدالله في حديث طويل يصف صلاة المعراج قال (أنزل الله العزيز الجبار عليه محملاً من نور فيه أربعون نوعاً من أنواع النور كانت محدقة حول عرشه تبارك وتعالى تغشي أبصار الناظرين أمّا واحد منها فأصفر فمن أجل ذلك اصفرت الصفرة، وواحد منها أحمر فمن أجل ذلك احمرت الحمرة إلى أن قال فجلس فيه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء ثم خرّت سجّداً فقال: سبّوح قدّوس ربنا ورب الملائكة والروح ما أشبه هذا النور بنور ربّنا فقال جبريل الله أكبر الله أكبر فسكتت الملائكة وفتحت السماء واجتمعت الملائكة ثم جاءت وسلمت على النبي أفواجاً ثم قالت يا محمد كيف أخوك قال بخير قالت فإن أدركته فاقرئه منا السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتعرفونه؟ فقالوا كيف لا نعرفه وقد أخذ الله عزّ وجل ميثاقك وميثاقه منّا وإنا لنصلّي عليك وعليه ثم زاد أربعين نوعاً من أنواع النور لا يشبه شيء منه ذلك النور الأول وزاده في محمله حلقاً وسلاسل ثم عرج به إلى السماء الثانية فلمّا قرب من باب السماء تنافرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرّت سجّداً وقالت سبوح قدوس رب الملائكة والروح ما أشبه هذا النور بنور ربنا فقال جبريل أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فاجتمعت الملائكة وفتحت أبواب السماء وقالت يا جبريل من هذا معك؟ فقال: هذا محمد قالوا وقد بعث؟ قال نعم قال رسول الله صلى الله عليه وآله فخرجوا إليّ شبه المعانيق فسلّموا عليّ وقالوا: اقرأ أخاك السلام فقلت هل تعرفونه؟ قالوا نعم وكيف لا نعرفه وقد أخذ الله ميثاقك وميثاقه وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا... قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((ثم زادني ربي عز وجل أربعين نوعاً من أنواع النور الأول وزادني حلقاً وسلاسل ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرّت وقالت سبوح قدوس رب الملائكة والروح ما هذا النور الذي يشبه نور ربنا؟ فقال جبريل أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله فاجتمعت الملائكة وفتحت أبواب السماء وقالت مرحباً بالأول ومرحباً بالآخر ومرحباً بالحاشر ومرحباً بالناشر.... ثم زادني ربي عز وجل أربعين نوعا من أنواع النور لا تشبه شيئاً من تلك الأنوار الأولى وزادني حلقاً وسلاسل ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فلم تقل الملائكة شيئاً وسمعت دوياً كأنه في الصدور واجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء وخرجت إليّ معانيق فقال جبريل عليه السلام حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح)) الحديث. وفي هذا الحديث الشريف أسرار وحقائق تقصر عن الوصول إليها أيدي آمالنا وما ندركه بفهمنا القاصر إن ذكرناه يطول به الحديث ويخرج عن طاقة هذه الأوراق والمقصود من ذكر بعضه الاستشهاد بأن الملائكة تجتمع بذكر الإقامة.

وفي صحيحة محمد بن مسلم قال قال لي أبو عبد الله (ع) إذا أذّنت وأقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة وإن أقمت بغير أذان صلّى خلفك صف واحد وقد حدّد الصفّان في بعض الروايات بأن أقلّهما ما بين المشرق والمغرب وأكثرهما بين السماء والأرض وهذا الاختلاف على حسب اختلاف المقامات ومراتب المصلين وصلاتهم.

 

الفصل الثاني: في أسرار القيام

 

وهو عند الخاصة إقامة الصلب في الحضرة المقدسة للحق وتشمير الذيل لإطاعة الأمر والخروج من التدثار والقيام بالإنذار {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (المدثر4). والاستقامة في الأخلاق والعدل في الملكات وعدم الميل إلى الإفراط والتفريط كما في حديث رزام مولى خالد بن عبد الله الذي مرّ سابقاً عن الصادق عليه السلام في باب حقيقة الصلاة قال (وهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع كأن الوعد له صُنِع والوعيد به وقع). ومن أعلى مراتب الإيمان الوقوف بين يدي الله على نحو لا يغلب الخوف على الرجاء ولا الرجاء على الخوف ولا يصل الصبر إلى مقام التجلّد فإنه في مذهب الأحبّة من أشدّ المنكرات.

ويحسن إظهار التجلّد للعدا ويقبح إلاّ العجز عند الأحبة

ولا يكون الجزع إلى حدّ الإفراط المنافي للرضا ويكون الاطمئنان على نحو يرى معه يوم الجزاء والوعد والوعيد قائماً. وعند أهل السلوك الاستقامة في مقام الإنسانية والخروج عن تفريط التهوّد وإفراط التنصّر {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} (آل عمران/67). وفي الحديث الشريف إن رسول الله صلى الله عليه وآله رسم خطاً مستقيماً ورسم خطوطاً حوله وقال هذا الخط المستقيم طريقي وقالوا إنه (ص) قال: (شيبتني سورة هود لمكان هذه الآية) إشارة إلى قوله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} (هود/112). وكان الشيخ العارف الكامل شاه آبادي روحي فداه يقول: هذا الكلام منه (ص) لأن الله تعالى قد طلب استقامة الأمة أيضاً منه (ص) ولهذا لم يقل صلى الله عليه وآله هذا الكلام بالنسبة إلى سورة الشورى مع أن هذه الآية موجودة فيها أيضاً لأنها ليست مذيلة بهذا الذيل.وبالجملة إن الاستقامة وعدم الخروج من الوسطية في جميع المقامات من أشدّ الأمور على السالك ولا بدّ له في حال القيام بين يدي الله من الخجلة وأن يكون ناكساً رأسه لعدم القيام بالأمر كما ينبغي ويلزم أن ينظر إلى محل السجدة وهو تراب المذلّة ويتذكر مقام تذلّـله وقصوره وتقصيره، ويرى نفسه في المحضر المقدس لملك الملوك الذي جميع ذرات الكائنات تحت حيطة سلطنته وقهره وقدرته، ويتذكر مقام قيومية الذات المقدسة وقيام دار التحقق بها ويقرّ في القلب هذه الحيطة القيومية وهذا التدلّي وفناء العالم لعله يصل بالتدريج إلى سرّ القيام، ويجد التوحيد الفعلي الذي يراه أهل المعرفة سراً له فينكشف على قلبه مقام الظهور بالتجلي الفعلي ويظهر له سر ((لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين)) فيكون لائقاً للورود في المحضر وينكشف له بعض أسرار التكبيرات الافتتاحية والقراءة ورفع اليد في التكبيرات.

 

الفصل الثالث: في أسرار النية

 

النية عند العامة العزم على الطاعة خوفاً أو طمعاً {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (السجدة16). وعند أهل المعرفة العزم على الطاعة هيبة وتعظيماً (فاعبد ربك كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك) وعند أهل الجذبة والمحبة العزم على الطاعة شوقاً وحباً. قال رسول الله صلى الله عليه وآله ((أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه)) الحديث. وقال الصادق عليه السلام ((ولكني أعبده حباً له عز وجل وتلك عبادة الكرام)) وفي رواية ((وهي عبادة الأحرار)) وعند الأولياء العزم على الطاعة تبعاً وغيراً بعد مشاهدة جمال المحبوب استقلالاً وذاتاً والفناء في الجناب الربوبي ذاتاً وصفةً وفعلاً. وما قاله الصادق عليه السلام ولكني أعبده حباً له فلعله من المقامات العاديّة له عليه السلام كما قاله شيخنا العارف الكامل أدام الله ظلّه وهذا النحو من العبادة التبعيّة وبعد الفناء في الجناب الربوبي من خاصّتهم في بعض الحالات كما في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله ((لي مع الله حالات لا يسعها ملك مقرّب ولا نبي مرسل)) ونقل عن الصادق عليه السلام أنه كان ذات يوم في الصلاة فخرّ مغشياً عليه فسئل عن ذلك قال ما زلت أكرّرها حتى سمعت من قائلها. وقال الشيخ الكبير شهاب الدين كان لسان جعفر الصادق عليه السلام في ذلك الوقت كشجرة موسى عند ندائه منها بأني أنا الله. ويبدو في النظر أن صلاة المعراج أيضاً كانت كذلك كما يظهر من رواية العلل.

وليعلم أنّ النيّة من أهم الوظائف القلبية التي تتحقق الصور الكمالية للعبادة بها ونسبتها إلى صورة الأعمال نسبة الباطن إلى الظاهر والروح إلى البدن والقلب إلى القالب ومن أهمّ وظائفها وأشدّ شرائطها على العامة تخليصها، وقلّ من يتمكن من الإخلاص الحقيقي. بل الخلوص المطلق من أعلى مدارج الأولياء الكمّل لأن الإخلاص عبارة عن تصفية العمل من مطلق ما يشوب غير الحق وهو في عبادة العامة التصفية من الشرك الجلي والخفي من قبيل الرياء والعجب والفخر {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (الزمر3). وفي عبادة الخواص تصفيتها مما يشوب الطمع والخوف فإنه شرك في مسلكهم وفي عبادة أصحاب القلوب عبارة عن التصفية من شوب الأنانية والأنيّة فإنه في مسلك أهل المعرفة الشرك الأعظم والكفر الأكبر. (مادر بت ها بت نفس شما است). وفي عبادة الكمّل عبارة عن تصفيتها من شوائب رؤية العبودية والعبادة بل رؤية الكون كما قال الإمام عليه السلام في القلب السليم (من لقي ربّه وليس فيه شيء سوى الله) فالسالك إلى الله إذا وضع حظوظه بل نفسه والعالم تحت قدميه وأخلص نفسه عن رؤية الغير والغيريّة ولم يسكن في قلبه سوى الحق، وأفرغ بيت الله من الأصنام بيد الولاية وأخلاه من تصرّف الشيطان، يكون دينه وعمله وباطنه وظاهره خالصاً للحق والحق تعالى قد اختار ديناً بهذه الصفة لنفسه (وكل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط).

 

الفصل الرابع: في سر التكبيرات الافتتاحية ورفع اليد

 

فأنت أيها السالك إلى الله والمجاهد في سبيل الله إذا أقمت الصلب في محضر القرب، وأخلصت النية في جناب العزّة، وصفّيت قلبك ودخلت في زمرة أهل الوفاء فهيئ نفسك لدخول الباب واطلب إجازة فتح الأبواب، وتحرك من منزل الطبيعة وارفع حجابها الغليظ بالتمسك بمقام الكبرياء وارمه وراء ظهرك وكبّر وادخل الحجاب الآخر وارفعه إلى الوراء وكبّر وارفع الحجاب الثالث فقد وصلت إلى منزل باب القلب، فقف واقرأ الدعاء المأثور (اللهم أنت الملك الحق المبين إلى آخره) واسلب المالكية عن غير الحق واحصر مطلق التصرفات بتلك الذات المقدسة كي لا تحسب نفسك رافعاً للحجاب ولائقاً لتكبير الحق، فإنه أكبر من أن يوصف. ثم اقصر الألوهية على الحق واطلب غفران ذنوبك ثم ارفع الحجاب الرابع والخامس وارمه إلى الخلف وكرّر التكبير وافتح عين القلب حتى تسمع نداء (تقَدَّم) فإن ظهر في قلبك حلاوة المحضر ولذّة الورود أو هيبة الحضور وعظمته فاعلم أنه قد صدرت رخصة الورود من جانب الغيب. فقل في مجال الخوف والرجاء والابتهال والتبتل والتضرع (لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك) إلى آخره. وتفكّر في حقائق هذه الأذكار الشريفة فإن فيها أبواباً من المعارف وفي نفس الوقت فيها أدب الحضور وبعد تنزيه الحق وتسبيحه عن الورود في حضرته وتنزيه مقامه المقدس عن جواز التوصيف ارفع الحجاب السادس وكبّر فإن رأيتك لائقاً ارفع الحجاب السابع وهو اللطيفة السابعة وإلاّ فقف واقرع باب إحسان الحق واعترف عن القلب بإساءتك وقل (يا محسن قد أتاك المسيء)، وتوجه بأن تكون صادقاً في هذا الكلام وقارعاً باب الإحسان حقيقة، وإلا فكن حذراً وخائفاً من النفاق في محضر ذي الجلال ثم بعد ذلك ارفع الحجاب السابع وارمه وراءك برفع اليد وقل تكبيرة الإحرام واعرف نفسك محرومة عن الغير فقد دخلت حرم الكبرياء فقل (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) إلى آخره واعلم بأنك على خطر عظيم وهو النفاق في أول العبادة في محضر عالم السر والخفيات.

وإذا رأيت نفسك عارياً عن هذه المقامات كالكاتب المحجوب عن كل كمال ومعرفة والمقيد بعلائق الدنيا وحب النفس والمشغول بالشهوة والغضب فلا تفضح نفسك في محضر الحق والملائكة المقربين واعترف بنقصك وعجزك وكن على خجل من قصورك واحتجابك، وادخل بانكسار القلب والانفعال والخجلة واقرأ الأذكار عن لسان الأولياء فإنك لست لائقاً لها لأنه ما لم تترك نفسك والعالمين لم تكن صادقاً في هذه الأقوال وما لم تسلم تسليماً حقيقياً بين يدي الله لم تكن مسلماً وما دمت رائياً نفسك لم تخرج عن حدود الشرك. وما لم تكن فانياً مطلقاً في جناب الحق لم تستطع أن تقول (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). فإن لم تجد نفسك بطل هذا الميدان فلا تدخل في صف أهل المعرفة أصلاً ولا توجب خجلتك عند الأحرار. فعن الصادق عليه السلام (إذا كبّرت فاستصغر ما بين العلا والثرى دون كبريائه فإن الله إذا اطلّع على قلب العبد وهو يكبّر وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره قال: يا كاذب أتخدعني؟ وعزتي وجلالي لأحرمنّك حلاوة ذكري ولأحجبنّك عن قربي والمسارّة بمناجاتي. فاعتبر أنت قلبك حين صلاتك فإن كنت تجد حلاوتها وفي نفسك سرورها وبهجتها وقلبك مسرور بمناجاته وملتذّ بمخاطباته فاعلم أنه قد صدقك في تكبيرك له، وإلاّ فقد عرفت من سلب لذة المناجاة وحرمان حلاوة العبادة أنه دليل على تكذيب الله لك وطردك عن بابه) انتهى.

وأما صلاة الأولياء فهي كما ذكر سابقاً خريطة التجليات فإذا جعلوا قلوبهم الصافية شطراً لعالم الغيب، ووجهوا مرآة ذاتهم إلى الشمس الحقيقية فبمناسبة قلوبهم يكون التجلي الخاص من عالم الغيب لهم، حيث أن التجلّي في أول الأمر تقييدي فيكبّرون فهو أكبر من التجلّي التقييدي فيحسبونه من الحجب النورية ويصرفون قلوبهم عنه ويريئون باليد سرّ رفع الحجاب القلبي. وبعد رفع الحجاب يتجلّى لقلوبهم تجلّ أرفع وأعلى من الأول فيكبّرون ويرفعون حجابه وهكذا يرفعون الحجب السبعة حتى يحصل لهم الوصول إلى منتهى الكرامة. فإذا حصل لقلوبهم التجلي الذاتي بلا تقييد حجاب يقولون: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} ويدخلون في الصلاة ويحرمون أنفسهم عن كل خاطر غير الحق بتكبيرة الإحرام ويحسبون لأنفسهم كل شيء حراماً إلاّ الحبيب. ويرون التوجه إلى الغير استدباراً للقبلة الحقيقية ومبطلاً للصلاة ويحسبون الرجوع إلى أنيّة أنفسهم وأنانيتها من الأحداث القاطعة للصلاة وإذا تمكّنوا في هذا المقام واستقاموا على الأمر فقد تمّ ميقات الربّ.

ويقول أهل المعرفة: أن {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} (الأنعام//76). إشارة إلى كيفية السير المعنوي والسفر الروحاني لإبراهيم عليه السلام. وقد أشار في الحديث الشريف إلى بعض ما سمعت. فعن العلل بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال ((قلت لأي علة صار التكبير في الافتتاح سبع تكبيرات أفضل؟ فقال عليه السلام: يا هشام إن الله خلق السموات سبعاً والأرضين سبعاً والحجب سبعاً فلما أسرى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه فكبّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل يقول الكلمات التي في الافتتاح، فلما رفع له الثاني كبّر فلم يزل كذلك حتى بلغ سبعة حجب فكبّر سبعة تكبيرات)). ويعلم من حديث المعراج أن نور العظمة تجلى للنبي الخاتم صلوات الله عليه ثلاث مرات في التكبيرات الافتتاحية، كما أنه تجلت الأنوار التقييدية لخليل الرحمن ثلاث مرات، ثم حصل الوصول بعده وفي هذا الحديث يقول عليه السلام ((فلما فرغ من التكبير والافتتاح قال الله عز وجل الآن وصلت إليّ فسمِّ باسمي)) الحديث.

 

الفصل الخامس: في بعض أسرار القراءة

 

ولها كسائر أجزاء الصلاة مراتب ومقامات حسب مقامات أهل العبادة والسلوك ونحن نشير إليها بطريق الإجمال.

الأول: قراءة العامة وأصلها تجويد الصورة وتصحيحها وكمالها التفكر في المعاني والمفاهيم العرفية.

الثاني: قراءة الخاصة وهي إحضار حقائق لطائف الكلام الإلهي في القلب بقدر قوة البرهان أو كمال العرفان. وكمالها الوصول إلى بعض مراتب أسرار القراءة.

الثالث: قراءة أصحاب المعرفة وهي ترجمان مشاهداتهم بعد المعرفة بحقيقة الكلام الإلهي وكتابه.

الرابع: قراءة أصحاب القلوب وهي ترجمان الحالات القلبية لهم بعد التحقق ببعض مراتب حقيقة القرآن.

الخامس: قراءة أصحاب الولاية ولها بطريق الإجمال ثلاثة مقامات.

الأول، مقام ترجمان التجليات الفعلية على قلب الولّي.

الثاني، مقام ترجمان التجليات الأسمائية.

الثالث، مقام ترجمان التجليات الذاتية.

وفي هذه المقامات الثلاثة يحمد القارئ الحق تعالى ويثني عليه بلسان الحق لأن نموذج قرب النوافل يشرع من التجليات الأفعالية والله يصير لسان العبد فيحمد السالك الحق بلسان الحق كما أن في قرب الفرائض يحمد الحق تعالى نفسه بلسان العبد. والعبد يصير لسان الله ((عليّ عين الله ويد الله ولسان الله)) ولكل من هذه المقامات أيضاً مراتب يطول بيانها التفصيلي.

وصل: فإذا رفعت الحجاب وفتحت الأبواب فادخل حريم الكبرياء واستعذ من الشيطان قاطع الطريق إلى الله بالمقام المقدس الاسم الجامع الأعظم رب الإنسان الكامل، وادعه رجيماً بالصدق إن كنت رفضته في رفع اليد في التكبيرات ورجمته ورجمت مظاهره فيه. واعلم بأن هذا الرجم أكمل من الرجم في رمي الجمرات في الحج لأن الرمي هنا إلى الوراء وفي الحج حيال الوجه وهناك بالحجارة وهنا بالإشارة والحجارة التوسل بالأسباب والإشارة الحكم بفنائها فإذا تركت الكونين وطرحت النشأتين فاعرف نفسك مخاطباً بخطاب (الآن وصلت إلي فسمِّ باسمي) وإلاّ فاحسب نفسك منسلكاً في مسلك جنود الشيطان وفي عداد عبدة الأوثان.

فإذا سمعت الخطاب الإلهي بسمع البصيرة وحصّلت إذن الدخول في الحضرة فقل (بسم الله) وادخل. وإن تذكّرت الحق بالإخلاص والحقيقة ووجدت حقيقة الاسم والمسمّى بتعليم {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ} (البقرة/31). تكون مشمولاً بخطاب (ذكرني عبدي) وإلاّ فإنك تكون مطروداً بيا كاذب أتخادعني؟ ثم اسكت وانتظر خطاب (احمِدني) من الحق فاقصر جميع المحامد على الحق تعالى بخلوص القلب وصفاء الباطن لتكون مشمولاً بخطاب (حَمَدني عبدي) وإلاّ فاحسب نفسك مخاطباً بيا منافق وإن دعوت الحق بالرحمة الرحمانية والرحيمية على وجه الحقيقة تكون مفتخراً (بأثنى عليّ عبدي) وإذا قلت مالك يوم الدين فانتظر نداء (مجّدني عبدي) وفي (إياك نعبد وإياك نستعين) فبالخطاب الحضوري اعرف نفسك خارجاً عن غيبة التعيّنات بل عن حجاب الأسماء والصفات حتى تقع العبادة والثناء بلسان الذات المفتقرة للذات المستغنية وإن كنت من الخواص والمخصوص بترك النفس فاخرج من حجاب نفسك حتى تكون لائقاً لـ (هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل) فاطلب بلسان الحق ما جعله الحق لك وإذا وصلت آخر السورة فانتظر (هذا هو الذي لعبدي).

وقال بعض أهل المعرفة: كما أن سورة الحمد قسّمت بين العبد والحق كما في الرواية فمن أول السورة إلى إياك نعبد وإياك نستعين مشترك بين العبد والحق ومنها إلى آخر السورة مختص بالعبد، فكذلك الصلاة أيضاً قسّمت بهذا الترتيب، فالسجود للحق خاصة لأن العبد فان والقيام للعبد لأنه قائم في خدمة المولى، والركوع حالة مشتركة تظهر الأنوار الإلهية فيه في موطن العبد. انتهى.

يقول الكاتب: وأيضاً مادام العبد في كسوة العبودية فالصلاة وجميع الأعمال من العبد فإذا فني في الحق فجميعها من الحق وليس له تصرف فيها، وإذا نال الصحو بعد المحو والبقاء بعد الفناء فالعبادة من الحق في مرآة العبد وليس هذا اشتراكاً بل هو أمر بين الأمرين وما دام أيضاً سالكاً فالعبادة من العبد فإذا وصل فالعبادة من الحق وهذا معنى انقطاع العبادة بعد الوصول إلى الموت {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر99). فإذا حصل الموت الكلّي والفناء المطلق فالحق هو العابد وليس للعبد حكم لا بمعنى أنه لا يعبد بل يعبد وكأن الله سمعه وبصره ولسانه، وما زعمه بعض الجهلة من المتصوفة فمن القصور. فإذا صحا العبد فتقع العبادة من الحق في مرآة العبد ويكون العبد سمع الله ولسان الله.

 

الفصل السادس: في الاستعاذة

 

وحقيقتها الاستعاذة من الشيطان وتصرفاته ومظاهره بمقام بسم الله الجامع ربّ الإنسان الكامل. فما دام السالك في لباس الكثرة ويرى نفسه متصرفة في الأمور فهو تحت تصرف الشيطان، وتقع قراءته بلسان الأنانية الذي هو اللسان الفصيح للشيطان، وما يجريه على اللسان فلا يكون اسم الله فإذا خرج عن هذه الكثرة ولم ير نفسه متصرفة وشاهد جلوة فعل الحق في المظاهر الخلقية، فقد نال أول مرتبة استعاذة أهل السلوك، وهذه استعاذة القيام والقراءة لأن كليهما مقام التوحيد الفعلي. أمّا القيوم فهو كما ذكر مقام قيومية الحق ولأهل الولاية التحقق به والتدلّي بمقام المشيئة. وأما القراءة فتذكّر اسم الله الذي هو مقام المشيئة المطلقة في قصر جميع المحامد على الحق وتذكّر مقام الرحمانية والرحيمية والمالكية والإتيان بصيغة الجمع في نعبد ونستعين وتذكّر مقام الهداية إلى الصراط المستقيم غير مائل إلى الإفراط والتفريط، كل ذلك يناسب الأفعال يعني التوحيد الأفعالي كما هو واضح عند أهله، فإذا خرج عن الكثرة الصفاتية ورأى جميع الصفات والأسماء مضمحّلة، وحكم بالفناء يقع في المرتبة الثانية من الاستعاذة، وهي استعاذة الركوع وذكره لأن الركوع وذكره إشارة إلى توحيد الصفات كما سيأتي في ذكر سرّه إن شاء الله. وإذا نظّف دار التحقق من غبار الكثرة وطوى الحجب النورانية والظلمانية ونال مقام التوحيد الذاتي والفناء الكلّي تحصل له الاستعاذة الحقيقية، وهي استعاذة السجود وذكره، لأنه كما يأتي إشارة إلى مقام التوحيد الذاتي. ويمكن أن يكون إشارة إلى المقامات الثلاثة ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في سجوده: ((أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك)) وما ذكر في المقام من أن القيام والقراءة إشارة إلى التوحيد الفعلي لا ينافي ما ذكرناه في الفصل الثالث في السرّ الإجمالي للصلاة من أن إياك نعبد رجوع العبد إلى الحق بالفناء الكلّي المطلق لأن لكل من القراءة والركوع والسجود مقامات يمكن أن تكون بحسب كل مقام إشارة إلى مقام من التوحيدات الثلاثة. ولكن كل واحد منها يناسب مقاماً. فالقيام لمقام توحيد الأفعال أنسب وإن كان يبطن توحيد الصفات والذات أيضاً وهذا نظير كلام قاله أهل المعارف بالنسبة إلى تقسيمات أسماء الأفعال والصفات والذات مع أنهم يقولون بأن كل اسم جامع. فيرون أن اسم الفعل اسم يكون التجلّي الفعلي فيه ظاهراً ويبطن فيه التجلي الصفاتي والذاتي وهكذا في الاسم الصفاتي والذاتي.

 

الفصل السابع: في القراءة

 

اعلم أن أهل المعرفة يرون بسم الله في كل سورة متعلقاً بتلك السورة. ومن هذه الجهة يكون بسم الله في كل سورة بنظر له معنى غير معناه في السورة الأخرى بل بسم الله كل قائل في كل قول وفعل يفترق معناه ومعنى بسم الله من الآخر فرقاً كثيراً وبيان هذا المطلب على وجه الإجمال أنه قد تحقّق أن جميع دار التحقّق من الغاية القصوى للعقول المهيمنة القادسة إلى منتهى نهاية صفّ النعال لعالم الهيولى والطبيعة ظهور حضرة اسم الله الأعظم ومظهر تجلّي المشيئة المطلقة التي هي أم الأسماء الفعلية كما قيل ظهر الوجود بـ {بسم الله الرحمن الرحيم} فإن لاحظنا كثرة المظاهر والتعينات فكلّ اسم عبارة عن ظهور الفعل أو القول الذي يقع تلواً له وأوّل قدم السير للسالك أن يفهم قلبه بأن جميع التعينّات ظاهرة باسم الله بل جميعها اسم الله وفي هذه المشاهدة تكون الأسماء مختلفة، وتكون سعة كل اسم وضيقه وإحاطته ولا إحاطته تابعة للمظهر والمرآة التي ظهر فيها واسم الله وإن كان بحسب التحقّق مقدماً على المظاهر وهو مقوّمها وقيّومها ولكنّه بحسب التعيّن متأخر عنها كما هو مقرر في محله.

وإذا أسقط السالك الإضافات ورفض التعينات ووصل إلى سر التوحيد الفعلي فيكون لجميع السور والأفعال والأقوال بسم الله واحد وللجميع معنى واحد.

وعلى الاعتبار الأول فليس من السور الشريفة القرآنية اسم أجمع وأكثر إحاطة من بسم الله للسورة المباركة الحمد كما يظهر من الحديث المشهور المنسوب إلى مولى الموالي (عليّ) عليه السلام وذلك لأن متعلّقه أكثر إحاطة من سائر المتعلقات كما يقول أهل المعارف: إن الحمد إشارة إلى العوالم العقليّة التي هي صرف الحمد والمحامد لله ولسان حمدها لسان الذات. وربّ العالمين إشارة إلى ظهور اسم الله في مرآة الطبيعة بمناسبة المقام الربوبي وهو الإرجاع من النقص إلى الكمال ومن الملك إلى الملكوت وهو مختص لجوهر عالم الملك والرحمانية والرحيمية من الصفات المختصة للربوبية. ومالك يوم الدين إشارة إلى الرجوع المطلق والقيامة الكبرى فإذا طلع صبح الأزل وتجلى نور الجلوة الأحدية لقلب العارف حين طلوع شمس يوم القيامة فيحصل للسالك الحضور المطلق فينطق لسانه في محفل الأنس ومقام القدس بالمخاطبة الحضورية بإياك نعبد وإياك نستعين وإذا أفاق من الجذبة الأحدية حصل له الصحو بعد المحو يطلب هداية نفسه ومصاحبيه في هذا السير إلى الله فسورة الحمد جميع سلسلة الوجود عيناً وعلماً وتحققاً وسلوكاً ومحواً وصحواً وإرشاداً وهدايةً. وبسم الله مظهر الاسم الأعظم والمشيئة المطلقة فهو مفتاح الكتاب ومختامه وفاتحته وختامه. كما أن اسم الله ظهور وبطون ومفتاح ومختم {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (النور35). فتفسير هذه السورة المباركة على ذوق أهل المعرفة هكذا:

بظهور اسم الله الذي هو مقام المشيئة المطلقة والاسم الأعظم الإلهي وله مقام المشيئة الرحمانية وهي بسط الوجود والمشيئة الرحيمية وهي بسط كمال الوجود عالم الحمد المطلق وأصل المحامد من حضرة التعيّن الأول الغيبي إلى نهاية أفق عالم المثال والبرزخ الأول. (لله) أي ثابت لمقام الاسم الجامع وله مقام الربوبية وتربية العالمين مقام السوائية وظهور الطبيعة وهذا المقام الربوبي ظاهر بالرحمانية والرحيمية الربوبية التي تبسط الفيض للموادّ المستعدّة بالرحمانية وتربيّها في مهد الهيولى بظهور الرحيمية وتوصلها إلى المقام المختص بها. وهو مالك يوم الدين يقبض جميع ذرّات الوجود بالقبضة المالكية ويرجعها إلى نظام الغيب (كما بدأكم تعودون) وهذه جميع دائرة الوجود المذكورة في {بسم الله الرحمن الرحيم} بطريق الإجمال وفي الحمد بطريق التفصيل وإلى مالك يوم الدين

خالص للحق كما في الحديث والعبد السالك إلى الله بمرقاة اقرأ وارقَ والعارج لمعراج (الصلاة معراج المؤمن) إذا شاهد رجوع جميع الموجودات إلى الحق وفناء دار التحقق فيه وتجلّى له الحق بالوحدانية فيقول بلسان الفطرة (إياك نعبد وإياك نستعين) وحيث أن نور الفطرة للإنسان الكامل محيط بجميع الأنوار الجزئية وان عبادته وتوجهه توجه دار التحقّق فيؤديه بصيغة الجمع ((سبّحنا فسبّحت الملائكة وقدّسنا وقدست الملائكة ولولانا ما سبّحت الملائكة)) إلى آخره. وإذا قدّم السالك نفسه وإنيّته وأنانيّته بالكليّة للذّات المقدسة ومحا ومحق كل شيء سوى الحق فتشمله العناية الأزلية من مقام الغيب الأحدي بالفيض الأقدس وتوقظه ويحصل له الصحو بعد المحو، ويرجع إلى مملكة نفسه بالوجود الحقاني وإذا وقع في الكثرة فيخاف من الفراق والنفاق فيطلب هداية نفسه وهي الهداية المطلقة _ لأن سائر الموجودات من أوراق الشجرة المباركة للإنسان الكامل وأغصانها _ إلى الصراط المستقيم للإنسانية وهو السير إلى الله يعني السير إلى الاسم الجامع والرجوع إلى حضرة الاسم الأعظم والخارج من حدّ الإفراط والتفريط لأي المغضوب عليهم والضالّين أو أنه يطلب الهداية إلى مقام البرزخيّة مقام عدم غلبة الوحدة على الكثرة والكثرة على الوحدة والحد الوسط بين الاحتجاب عن الوحدة بحجاب الكثرة وهو مرتبة المغضوب عليهم والاحتجاب عن الكثرة بالوحدة وهو مقام الضالين والمتحيرين في جلال الكبرياء.

وصل: روي في التوحيد عن الرضا عليه السلام حين سئل عن تفسير البسملة قال عليه السلام معنى قول القائل بسم الله أَسِمُ على نفسي سمة من سمات الله وهي العبادة قال الراوي فقلت ما السمة؟ قال: (السمة تعني) العلامة ويظهر من هذا الحديث الشريف أنه لا بدّ للسالك أن يتحقّق بمقام اسم الله في العبادة والتحقّق بهذا المقام حقيقة العبوديّة وهي الفناء في الحضرة الربوبية وما دام في حجاب الأنيّة والأنانيّة فليس في لباس العبودية بل هو معجب بنفسه وعابد لها وإنّما معبوده أهواؤه النفسانية {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الفرقان43). ونظره نظر ابليس اللعين إذ رأى آدم عليه السلام في حجاب أنانيته وفضّل نفسه عليه وقال {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (ص76).

وصار مطروداً من ساحة المقربين إلى الجناب المقدّس فقائل بسم الله إن وسم نفسه بسمة الله وعلامة الله ووصل إلى مقام الإسمية وصار نظره نظر آدم عليه السلام ورأى عالم التحقّق الذي هو نفسه أيضاً خلاصته اسم الله {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة/31). فتسميته في هذه الحال تسمية حقيقيّة وهو متحقّق بمقام العبادة وهو إلقاء النفسانية وعبادة النفس والتعلّق بعزّ القدس والانقطاع إلى الله كما في ذيل رواية رزام عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام حيث يقول (يقطع علائق الاهتمام بغير من له قصد وإليه وفد ومنه استرفد). وإذا حصل للسالك مقام الإسمية فيرى نفسه مستغرقاً في الألوهية ((العبودية جوهرة كنهها الربوبية)) فيرى نفسه اسم الله وعلامة الله وفانياً في الله ويرى سائر الموجودات أيضاً كذلك وإن كان ولياً كاملاً يتحقق بالاسم المطلق وتحصل له العبودية المطلقة ويكون عبد الله الحقيقي. ويمكن أن يكون التعبير بالعبد في الآية الشريفة {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} (الإسراء1). لأن العروج إلى معراج القرب وافق القدس ومحفل الأنس إنّما يكون بقدم العبودية والفقر ورفض غبار الإنيّة والنفسيّة والاستقلال. والشهادة بالرسالة أيضاً في التشهد بعد الشهادة بالعبودية لأن العبودية مرقاة الرسالة.

وفي الصلاة معراج المؤمنين ومظهر معراج النّبوة يكون الشروع بعد رفع الحجب ببسم الله الذي هو حقيقة العبودية فسبحان الذي أسرى بنبيه بمرقاة العبودية المطلقة وجذبه إلى أفق الأحدية بقدم العبودية وأطلقه من مملكة الملك والملكوت والجبروت واللاهوت وبلّغ سائر العباد المستظل بظل ذلك النور الطاهر بسمة من سمات الله ومرقاة التحقّق باسم الله الذي باطنه العبودية إلى معراج القرب فإذا رأى السالك دائرة الوجود اسم الله فيتمكن بمقدار قدم سلوكه أن يدخل فاتحة كتاب الله ومفتاح كنز الله فيرجع جميع الثناءات والمحامد للحق إلى مقام الاسم الجامع ولا يرى لموجود من الموجودات فضائل وفواضل لأن إثبات الفضيلة والكمال لموجود سوى الحق ينافي رؤية الإسمية فإن قال بسم الله على الحقيقة يتمكن أن يقول الحمد لله على الحقيقة. وأما إن كان محجوباً في حجاب الخلق عن مقام الاسم كإبليس فلا يقدر أن يرجع المحامد إلى الحق وما دام حجاب الأنانية موجوداً فهو عن العبودية والإسمية محجوب وما دام محروماً من هذا المقام فلا يصل إلى مقام الحامدية وإذا وصل بقدم العبودية وحقيقة الإسمية إلى مقام الحامديّة فيرى صفات الحامديّة أيضاً ثابتة للحق ويحسب الحق ويراه حامداً ومحموداً فما دام يرى نفسه حامداً والحق محموداً فليس حامداً للحق بل يكون حامد الحق والخلق بل يكون حامداً لنفسه فقط ومحجوباً عن الحق وحمده. وإذا وصل إلى مقام الحامدية يقول أنت كما أثنيت على نفسك ويخرج من حجاب الحامدية المقرون بالدعوى والملازم لإثبات المحمودية فتكون مقالة العبد السالك في هذا المقام: باسمه الحمد له ومنه الحمد وله الحمد وهذا نتيجة قرب النوافل الذي أشير إليه في الحديث الشريف في قوله ((فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه)) إلى آخره.

رب العالمين: إن كانت (العالمين) صور الأسماء وهي الأعيان الثابتة فتكون إشارة إلى الربوبية الذاتية، وترجع إلى مقام الألوهية الذاتية، وهي اسم الله الأعظم. لأن الأعيان الثابتة، قد تحققت بالتحقق العلمي بالتجلي الذاتي في مقام الواحدية بتبع الاسم الجامع المتعيّن بتجلي الفيض الأقدس. ومعنى الربوبية في ذلك المقام المقدس، التجلي بمقام الألوهية فتتعيّن جميع الأسماء بذلك التجلّي والعين الثابتة للإنسان الكامل تتعيّن أولاً وتتعيّن سائر الأعيان في ظلّه. والرحمانية والرحيمية إظهار تلك الأعيان عن غيب الهداية إلى أفق الشهادة المطلقة وإيداع فطرة العشق وحب الكمال المطلق في خميرتهم ليصلوا بتلك الفطرة العشقية السائقة والجذبة القهرية المالكية التي أخذت بناصيتهم إلى مقام الجزاء المطلق وهو الاستغراق في بحر كمال الواحديّة {أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} (الشورى53). فبهذه الطريقة غاية الآمال ونهاية الحركات ومنتهى الاشتياقات ومرجع الموجودات ومعشوق الكائنات ومحبوب العشّاق ومطلوب المجذوبين الذات المقدسة. وإن كانوا محجوبين عن هذا المطلوب ويرون أنفسهم عابداً وعاشقاً وطالباً ومجذوباً للأمور الأخرى وهذا هو الحجاب الأكبر حجاب الفطرة فلا بدّ للسالك إلى الله خرقه بقدم المعرفة وما لم يصل إلى هذا المقام فلا يحق له أن يقول إياك نعبد أي لا نطلب إلاّ إيّاك ولسنا طالبي غيرك، ولا نطلب أبداً غيرك ولا نحمد سواك ولا نستعين في جميع الأمور غيرك، ونحن سلسلة الموجودات وذرّات الكائنات من أدنى مرتبة المادّة السفلى إلى أعلى مرتبة غيب الأعيان الثابتة بأجمعنا طالبوا الحق والباحثون عنه وكلُّ في كل مطلوب يطلبه، ومع كل محبوب يعاشقه {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم30). {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الحشر24). فإذا حصلت للسالك هذه المشاهدة ورأى نفسه بشراشر أجزاء وجوده من القوى الملكية إلى السرائر الغيبيّة وجميع سلسلة الوجود عاشقة للحق وطالبة له فبظهور هذا التعشق وهذه المحبّة يطلب من الحق الاستعانة للوصول، فيطلب الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط ربّ الإنسان {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (هود/56). وهو الصراط المنعم عليهم من الأنبياء الكمّل والصدّيقين وعبارة عن رجوع العين الثابت إلى مقام الله والفناء فيه لا الفناء في الأسماء الأُخر التي هي في حد القصور أو التقصير كما نسب إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ((كان أخي موسى عينه اليمنى عمياء وأخي عيسى عينه اليسرى عمياء وأنا ذو العينين)) أن موسى عليه السلام كانت الكثرة غالبة فيه على الوحدة وعيسى عليه السلام كانت الوحدة فيه غالبة على الكثرة وكان للرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم مقام البرزخية الكبرى الحدّ الوسط والصراط المستقيم.

إلى هنا كان تفسير السورة بناء على أن تكون (العالمين) عبارة عن حضرات الأعيان وأمّا إذا كانت (العالمين) عبارة عن حضرات الأسماء الذاتية أو الأسماء الصفاتية أو الأسماء الفعلية أو العوالم المجردة أو العوالم المادية أو المجردة والمادية أو الجميع فيحصل الفرق في تفسير السورة وكذلك إذا كان (الله) الألوهية الذاتية أو الظهورية ويكون الرحمن الرحيم في البسملة صفة لـ (اسم) أو لـ (الله) فيفرق تفسير السورة الشريفة كما أنه لو كان اسم الله في الآية الشريفة ((بسم الله)) غير مقام المشيئة مقاماً آخر من الأسماء الذاتية وغير الأسماء الذاتية من الأعيان الثابتة أو الأعيان الموجودة أو العوالم الغيبيّة والشهادتيّة أو الإنسان الكامل فيفترق تفسير السورة، كما أنه لو كانت الباء في البسملة للاستعانة أو الملابسة أو متعلقة بظَهَر أو متعلقة بنفس السورة أو بكل واحد من أجزائها، فتحصل فروق كثيرة كما أنه لا بد أن يفرّق في تفسير السورة على حسب مقامات القرّاء بين الوقوع في حجاب الكثرة أو غلبة الوحدة أو الصحو بعد المحو أو المقامات الأخر التي ذكرت سابقاً والإحاطة بجميعها، وبالتفسير الحقيقي للقرآن وهو الكلام الجامع الإلهي خارجة عن طاقة أمثال الكاتب. إنّما يعرف القرآن من خوطب به وما ذكر كان على سبيل الاحتمال والله الهادي.

 

الفصل الثامن: في الإشارة الإجمالية إلى تفسير السورة الشريفة التوحيد

 

اعلم أن الاحتمالات الموجودة في بسم الله من سورة الحمد ومتعلّقة موجودة في هذه السورة أيضاً ولكن هنا بمناسبة تعلقه بـ (قل هو) وهو ترجمان مقام الذات المقدس من حيث هي أو مقام غيب الهوية أو مقام الأسماء الذاتية فلا بدّ للسالك أن يكون في حالة الاستهلاك في كل من هذه المقامات. ويكون قائلاً بالكلمة الشريفة (هو) برفض التعينات الأسمائية والصفاتية مطلقاً فالاسم في هذا المقام يمكن أن يكون التجلّي الغيبي بالفيض الأقدس الرابط بين الذات والأسماء والصفات الذاتية أو الغيب والأسماء الصفاتية. فكأنه قال يا محمد صلى الله عليه وآله المنسلخ عن أفق الكثرة والتعيّن الرافض غبار كثرة الأسماء والصفات والتعينات بقدم العشق والمحبة بمقام التجلّي بالفيض الأقدس في مقام غيب الهوية والوحدة الصرفة: قل هو، وهو إشارة إلى مقام الذات أو غيب الهوية أو للأسماء الذاتية، وهو مع أنه الغيب المطلق هو الله مقام جمع الأسماء وحضرة الواحدية ولا تنافي هذه الكثرة الأسمائية الوحدة والبساطة المطلقة فهو أحدٌ. ومع أن الكثرة الكمالية تتطرق فيه بل هي مبدأ تلك الكثرة فهو الصمد والمنزّه عن مطلق النقائص فليس له ماهية وإمكان وجوف فلا ينفصل منه شيء ولا ينفصل هو من شيء وإليه ينتهي جميع دار التحقق ظهوراً وتجلياً وهي فانية في ذاته وأسمائه وصفاته وجوداً وصفةً وفعلاً وليس له مثل ومثال وكفو وشريك، فهو إشارة إلى مقام الغيب كما ورد في الحديث أيضاً والله إشارة إلى مقام الأسماء الكمالية والواحدية وهو مقام الاسم الأعظم ومن أحد إلى آخر السورة الأسماء التنزيهية، فالسورة الشريفة هي نسبة الحق بجميع المقامات، ويمكن أن يكون هو إشارة إلى الذات من حيث هي و(أحد) إشارة إلى الأسماء الذاتية للحق جل وعلا والعلم عنده.

 

الفصل التاسع: في بعض أسرار الركوع

 

وهو عند الخاصة عبارة عن الخروج من منزل القيام بالأمر والاستقامة في الخدمة المستلزم للدعوى عند أهل المعرفة وللخيانة والجناية عند أهل المحبّة، والدخول في منزل الذّل والافتقار والاستكانة والتضرع منزل المتوسطين.

وعند أصحاب القلوب عبارة عن الخروج عن مقام القيام لله إلى مقام القيام بالله، وعن مشاهدة القيومية إلى مشاهدة أنوار العظمة، وعن مقام توحيد الأفعال إلى مقام توحيد الأسماء، وعن مقام التدلي إلى مقام قاب قوسين، كما أن السجود هو مقام ((أو أدنى)) وتأتي الإشارة إليه بعد ذلك إن شاء الله.

فحقيقة القيام هي التدلّي إلى قيومية الحق والوصول إلى أفق المشيئة وحقيقة الركوع إتمام قوس العبودية وإفنائه في نور عظمة الربوبية وركوع الأولياء الكمّل التحقق بهذا المقام على حسب مراتبهم وحظّهم من حضرات الأسماء المحيطة والشاملة والذاتية والصفتية على نحو يكون تفصيله خارجاً عن مجال هذه الأوراق فالسالك إذا وصل منزل الركوع منزل الفناء الأسمائي يكبّر ويرفع يده كرفعها عند التكبيرات الافتتاحية بتلك الآداب وهذا التكبير والرفع باطن إحدى التكبيرات الافتتاحية كما أن تكبير السجود أيضاً كذلك، وفي هذا المقام يكبّر الحق عن التوصيف وهو من المقامات الشاملة للعبد وملازم له إلى آخر السلوك ويرفع بيده ويرفض بها مقام التدلي والعبودية والتقوّم بالقيومية الذي لا يكون خالياً عن شائبة التجلّد والدعوى، ويتوجّه إلى منزل الركوع صفر اليد ويتجلى لقلبه نور عظمة عرش حضرة الوحدانية والواحدية في فناء منزل قاب قوسين فينزّه الحق ويسبّحه ويسقط نفسه عن لياقة التكبير، فبقلب وجل وحال خجل من القصور في أداء حق هذا المنزل الذي هو من أعظم منازل أهل التوحيد يشرع في أداء حقوقه وعمدتها توصيف الحق بالعظمة بعد التنزيه في جميع منازل الولاية. وبعده يشرع في التحميد وهو في مقام الذات إشارة إلى توحيد الصفات ولسان العبد في هذا المقام في التنزيه والتعظيم والتحميد لسان الحق كما في الحديث أنه لمّا نزل {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (الواقعة74). قال رسول الله اجعلوها في الركوع وقد أشار إلى بعض ما ذكر في هذا المقام حديث صلاة المعراج حيث أنه صلى الله عليه وآله بعدما أمر بالركوع خوطب فانظر إلى عرشي. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فنظرت إلى عظمة ذهبت لها نفسي وغشي علي فأُلهمت أن قلت سبحان ربي العظيم وبحمده لعظم ما رأيت فلمّا قلت ذلك تجلّى الغشي عني حتى قلتها سبعاً أُلهَمُ ذلك فرجعت إليّ نفسي كما كانت) إلى آخر الحديث.

وللعرش اطلاقات يمكن أن يكون المراد في المقام منه عرش الوحدانية والعظمة ومقام الواحدية وحضرة الأسماء والصفات التي هي عرش الذات ويمكن أن تكون غشوته صلى الله عليه وآله إشارة إلى مقام الفناء في حضرة العظمة وإلقاء الأنانية كما أن ذهاب النفس أيضاً يناسب هذا المقام، وعلى هذا فالتسبيح والتعظيم والتحميد تكون بلسان الحق وبإلهام من تلك الذات المقدسة لرؤية هذه العظمة والكبرياء في حضرة الواحدية وأحديّة جمع الأسماء. واعلم أن للواصلين إلى مقام القرب في التجلّيات الأولية حتى لو كانت تجليات حُبّيّة استيحاش وهيمان تندكّ وتتزلزل قلوبهم الصافية تحت أنوار تجلّي العظمة ولو لم يكن لقلوبهم استعداد وطاقة لبقيت في ذلك الاستيحاش والهيمان إلى الأبد (إن أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري).

وفي الملائكة أيضاً يوجد من هذا الصنف ويسمى بالملائكة المهيمنة. ولو كان استعداد القلوب الذي هو من العطايا الأولية للفيض الأقدس كثيراً يحصل لها بالتدريج بعد هذه الحيرة وهذا الهيمان والاستيحاش والقلق والاضطراب والمحو والغشيان والصعق والمحق حالة السكون واليقظة والطمأنينة والصحو والانتباه حتى تصل إلى حالة الصحو التام. وفي هذا المقام وهو مقام التمكين تكون لائقة للتجليات العليا وهكذا تقع التجليات حسب ما تناسب قلوبهم حتى يصلوا إلى منتهى القرب والكمال وأما إن كانوا من الكمّل فتحصل لهم الحالة البرزخية الكبرى. والإلهام الذي كان من حضرة الغيب على القلب التقي النّقي الأحمدي المحمّدي لعلّه كان من التجليات اللطفية لتسكين ذلك النور الطاهر من غشوة التجلي بالعظمة.

وصل: عن مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام ((لا يركع عبد لله ركوعاً على الحقيقة إلاّ زيّنه الله بنور بهائه وأظله في ظلال كبريائه وكساه كسوة أصفيائه. والركوع أول والسجود ثان فمن أتى بمعنى الأول صلح للثاني، وفي الركوع أدب وفي السجود قربٌ ومن لا يحسن الأدب لا يصلح للقرب. فاركع ركوع خاضع لله بقلبه متذلّل وجل تحت سلطانه خافض له بجوارحه خفض خائف حزن على ما يفوته من فائدة الراكعين. وحكي أن الربيع بن خثيم كان يسهر بالليل في ركعة واحدة فإذا هو أصبح رفع رأسه وقال (آه سبق المخلصون وقطع بنا) واستوف ركوعك باستواء ظهرك وانحط عن همّتك في القيام بخدمته إلا بعونه وفرّ بالقلب من وساوس الشيطان وخدائعه ومكائده فإن الله تعالى يرفع عباده بقدر تواضعهم له ويهديهم إلى أصول التواضع والخضوع بقد اطلاع عظمته على سرائرهم)).

وفي هذا الحديث الشريف أيضاً إشارة إلى بعض ما ذكر في الركوع كتزيين العبد بنور بهاء الله فإنه يمكن أن يكون إشارة إلى التحقّق بمقام الأسماء والصفات بمقدار حالات السالكين لأن البهيّ من أسماء الصفات، كما أن الإظلال في ظلال الكبرياء إفناء العبد تحت عظمة نور الكبرياء.

ويمكن أن يكون التكسّي بكسوة الأصفياء إشارة إلى البقاء بعد هذا الفناء لأن الاصطفاء على حسب حضرة فيض الله الأقدس ومن النعم والعطيّات الابتدائيّة، لأن مقام فناء العبودية في الألوهية الذي هو حقيقة الربوبية وجوهرة العبودية يحصل بالسلوك. وأمّا اصطفاء الحق والاكتساء بكسوة الأصفياء الذي هو مقام التخلّع بخلعة النبوّة فهو خارج عن تحت سلوك العبودية وداخل تحت اصطفاء الربوبية. كما أنه يؤكد ما ذكرنا أوليّة الركوع وثانوية السجود وارتباط صلاحية الدخول في منزل السجود بالدخول في منزل الركوع واستيفاء حقه. وكما أن أدب القرب المطلق الذي يحصل في منزل السجود هو التحقّق بحقيقة الأسماء والصفات والفناء في تلك الحضرة.

وأما قوله عليه السلام فاركع إلى آخره فهو برنامج أدب الركوع للمتوسطين من أهل السلوك وهو على حسب هذا الحديث أمور:

الأول، أن يكون قلب السالك في جميع منزل الركوع خائفاً وخاشعاً وتحت سلطان الكبرياء والعظمة ويخفض جناحه بجميع أجزائه وأعضائه الظاهرة والباطنة ويكون خائفاً من حرمان مقام الراكعين ومحرومية هذا المنزل الشريف. ويرى نفسه قاصرة ومقصرة كيفما وجدها من الحالات كما نقل عليه السلام من الربيع بن خثيم فلعل العناية الأزلية والرحمة الشاملة للحق جل وعلا تشمله وتتدارك النقائص وينال شيئاً من ركوع أهل المعرفة وأصحاب القلوب.

الثاني، أن يسوّي ظهره حال الركوع ويتبرأ من اعوجاج سلطان النفس ويجعل همّته ورؤيتها تحت قدميه، ويصفّي مرآة القلب عن خبث همّة النفس وخبث قدم الإنية والأنانية فإنه طالما يرى نفسه قائمة بالأمر ويسعى في تلك العتبة بقدم همة النفس فإنه يحرم من فائدة الركوع ومقام الراكعين. وإذا وضع همته تحت قدمه يدخل تحت الإعانة الإلهية ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الثالث، أن يحفظ قلبه من الخطرات الشيطانية وخدائع الشيطان ومكائده وهي في هذا المقام تختلف على حسب حال أهل السلوك ومن تلك الخطرات التلوينات في الفناء الأسمائي.

وبالجملة طريق الهداية والسلوك هو التواضع تحت سلطان الكبرياء والخضوع والتذلّل الذي يظهر ويتمثل في قلب السالك في كل مقام على نحو وكلّما تجلى نور العظمة والكبرياء في القلب أكثر، وتغلب أنوار التجلّيات على سرائر القلب زاد التواضع والخضوع والتذلل ازدادت العبودية والله الهادي.

 

الفصل العاشر: في سر رفع الرأس من الركوع

 

رفع الرأس من الركوع انصراف من الكثرات الأسمائية وفناء في الصفات ومن التحديد والتوقيف في تلك المقامات لأنها أيضاً من الحجب النورية فيما بين العبد والحق، بل العين الثابتة للعبد في الحضرة العلمية أيضاً في هذا المقام من الحجب ((وكمال التوحيد نفي الصفات عنه فإذا حصلت للسالك حالة الصحو في الفناء الصفاتي يتوجّه إلى القصور وينصرف عن منزل الركوع الذي هو شهود الكثرة الأسمائية ونقصان في التوحيد. وإذا سمع محامد ملائكة الله بل محامد جميع الموجودات يقول بلسان الحق ((سمع الله لمن حمده)) فإذا استقام وأقام صلبه من الكثرات مطلقاً يكون لائقاً لمقام القرب ويتوجّه إلى مقام الأنس.

 

الفصل الحادي عشر: في سر السجود

 

وهو عند أهل المعرفة سرّ كلّ الصلاة وكل سرّ الصلاة، وآخر منزل للقرب ومنتهى النهاية للوصول، بل الأولى ألاّ يُعَدّ هو من المقامات والمنازل ولأصحابه وقت وحال انقطعت عنه جميع الإشارات، وبكُمت عنه جميع الألسن وقصرت عن مقامه جميع البيانات وكل من أشار إليه فهو غير خبير به. فمن حصل عنده خبر لم يجئ عنه خبر وما ذكر أو يذكر في هذا المقام فمن أرباب الاحتجاب بل هو من أسباب الحجاب.

قال العارف المحقق الأنصاري: وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصّه الله لنفسه واستحقه بقدره وألاح منه لائحاً إلى أسرار طائفة من صفوته وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثّه،والذي يشار به إليه على ألسن المشيرين أنه اسقاط الحدث، وإثبات القِدَم على أن هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصحّ ذلك التوحيد إلاّ بإسقاطه، إلى أن قال فإن ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاءً والصفة نفوراً والبسط صعوبة إلى أن قال:

ما وحّد الواحد من أحد          إذ كل من وحّده جاحد

توحيد من ينطق عن نعته     عارية أبطلها الواحد

توحيده إياه توحيده                               ونعت من ينعته لاحد

فلا يمكن اكتشاف سرّ السجود الذي يشير إلى آخر مراتب التوحيد وينتهي في مرتبة التحقق إلى مقام اللاّمقام الذي تشير إليه في مسلك أهل المعرفة الكلمة الشريفة ((أو أدنى)) وما نشير إليه في هذا المقام فمن وراء سبعين ألف حجاب من النور، وسبعين ألف حجاب من الظلمة التي لم ينكشف لقلوبنا نحن المتأخرين عن طريق أهل الحق والحقيقة واحد من تلك الحجب ولا يرجى خيرٌ أيضاً مع هذا الكسل والبرودة والفتور والتموّت الذي نحن فيه إلاّ أن يبذل الحق تعالى من خزائنه الكريمة رحمة، ويبسط عناية وينفح نفحة الحياة في قلوبنا الميّتة، ويهب بارقة ملكوتية لقلوبنا الباردة حتى نجبر الأيّام الماضية في بقية أعمارنا ونستفيد بعض أسرار صلاة أهل المناجاة.

وبالجملة السجدة عند أهل المعرفة وأصحاب القلوب هي غمض العين عن الغير، والهجرة عن جميع الكثرات حتى كثرة الأسماء والصفات والفناء في حضرة الذات. وفي هذا المقام ليس من سمات العبودية خبر ولا من سلطان الربوبية في قلوب الأولياء أثر، والحق تعالى بنفسه قائم بالأمر في وجود العبد (فهو سمعه وبصره بل لا سمع ولا بصر ولا سماع ولا بصيرة وإلى ذلك المقام تنقطع الإشارة) ولها على حسب أحوال العلماء بالله مقامات ومراتب وهي بالطريق الكلي وبالإجمال أربعة:

الأولى: مقام إدراك هذا المقام علماً وفكراً وبطريق التفكّر وبقدم البرهان والعلم وهذه مرتبة أصحاب الحجاب الأعظم العلماء والحكماء.

الثاني: مقام الإيمان وكمال الاطمئنان وهذا مقام المؤمنين وأرباب اليقين.

الثالث: مقام أهل الشهود وأصحاب القلوب الذين يشاهدون الفناء المطلق بنور المشاهدة ويتجلى على قلوبهم حضرة التوحيد التام.

الرابع: أصحاب التحقّق والكمّل من الأولياء الذين تحقّقوا بمقام الوحدة الصرفة، وارتفعت من البين كثرة قاب قوسين وكانوا بالهوّية الذاتية بجميع شؤونها مستهلكين في عين الجمع وتلاشوا في نور القدم، واضمحلّوا في الأحدية وفنوا في غيب الهوية فتيسّر لهم المحو المطلق ويحصل لهم الصعق الكلّي ويتفق لهم الفناء التام وتعرض لهم الغشوة التامّة، ويرتفع غبار العبودية من البين. وشخص السالك لو كان وعاء قلبه ضيّقاً ومقام قابليته المعطى في الحضرة العلمية على حسب التجلّي بالفيض الأقدس ناقصاً، فيبقى في تلك الغشوة وفي ذلك المحو الكلّي أزلاً وأبداً ولا يرجع إلى حالة الصحو ولعلّ قوله ((إن أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري)) يكون إشارة إلى هذه الطائفة من أهل السلوك.

ولكن لو كان قلبه واسعاً ومورداً لتجلّي الفيض الأقدس فلا يبقى في حالة المحو هذه وتحصل له الإفاقة من هذه الغشوة بالتجليات اللطفية، ويحصل له التمكين والطمأنينة، ويرجع إلى حالة الصحو بعد المحو ويشاهد الحق في هذا المقام بجميع شؤونه الظاهرة والباطنة واللطفية والقهرية وفي عين حال الوقوع في بحر الوحدة غير المتناهي لا يفنى عن التجلّي بكسوة الكثرة، وفي عين حال الوقوع في حضرة الكثرة لا يكون حجاب أصلاً بينه وبين حضرة الأحدية، فلا الخلق يكونون حجاباً له عن الحق كنحن المحجوبين والمحرومين، ولا الحق يكون حجاباً عن الخلق كالواصلين لفناء الربوبية، والفانين في حضرة الأحدية , ولا يكون في هذا المقام الأسنى من سلوك السالك أثر وتنقطع قدم العبودية بالكلّ ولهذه الجهة يشير العارف المعنوي إلى هذين المقامين حيث يقول:

از عبادت مى توان الله شد                   نى توان موسى كليم الله شد

ففي المصراع الأول أشار إلى مقام أهل السلوك وأصحاب الوصول حيث أن قدم العبودية دخيلة فيه. وفي المصراع الثاني أشار إلى حالة الصحو بعد المحو التي هي خارجة عن أفق العبودية بالكلية.

وقد أشار بعض أهل المعرفة إلى هذا التجلّي للفيض الأقدس حيث قال: الكلّ يخاف من الآخر وأنا أخاف من الأول والإشارة إلى هذا المقام كثيرة في الأحاديث الشريفة وهذا من الأسرار العظيمة للقدر قد منع أصحابها عن كشفه بالبيان وما أجيز لهم من الإظهار. وبالجملة لا يكون لأصحاب الصحو بعد المحو حجاب من الغيب والشهادة ويكون وجودهم وجوداً حقانياً ويشاهدون العالم بالوجود الحقاني ويقولون {ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه} ولا يحجبهم شيء من التجليات الذاتية والأسمائية والأفعالية عن الآخر بل يشاهدون في التجليات الأفعالية التجليات الذاتية والصفاتية وفي الصفاتية يشاهدون الآخريين كما أنهم يشاهدون في التجليات الذاتية التجليات الأفعالية والصفاتية وقد أشار رسول الله (ص) إلى بعض ما ذكرنا من حديث صلاة المعراج حيث يقول بعد إتمام الركوع وبيان أسراره فقال (ارفع رأسك فرفعت رأسي فنظرت إلى شيء ذهب منه عقلي فاستقبلت الأرض بوجهي ويدي فألهمت أن قلت ((سبحان ربي الأعلى وبحمده)) لعلو ما رأيت فقلتها سبعاً فرجعت إليّ نفسي. كلّما قلت واحدة تجلى عني الغشي فقعدت فصار السجود فيه ((سبحان ربي الأعلى وبحمده)) وصارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشي وعلو ما رأيت فألهمني ربي عزّ وجل وطالبتني نفسي أن أرفع رأسي فرفعت ونظرت إلى ذلك العلوّ فغشي علي فخررت لوجهي واستقبلت الأرض بوجهي ويدي وقلت ((سبحان ربي الأعلى وبحمده)) فقلتها سبعاً ثم رفعت رأسي فقعدت قبل القيام لأثني النظر في العلو فمن أجل ذلك صارت سجدتين وركعة ومن أجل ذلك صار القعود قبل القيام قعدة خفيفة إلى آخره). فيا سبحان الله كم من أسرار مودعة في هذا الحديث لا يستطيع اللسان والقلم بيانها وتقصر عنها أيدي الآمال، فما نور العظمة الذي شاهده هذا السيد في الروع فغشي عليه، وما الشيء الذي شاهده جنابه بعد منزل الركوع ولم يعبّر عنه حتى بالعظمة؟ وهل هذا العلوّ الذي تجلى لقلبه المبارك من الأسماء الذاتية أو كان التجلّي بلا حجاب الأسماء؟ وهل كان تكرار النظر في العلّو للتمكين أو كان له سرٌّ آخر؟ وهل كان الاسم الذي ألهم ذلك السيّد في حال الغشوة والصعق بإلهام الحق تعالى أي اسم؟ حتى كانت نتيجته التسبيح والتوصيف بالعلوّ الذي هو أول الأسماء الذاتية الذي اتخذه الحق تعالى لنفسه والتحميد الذي هو من لوازم التجلي بالكثرة؟ والله العالم.

وصل: عن مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام ((ما خسر والله من أتى بحقيقة السجود ولو كان في العمر مرّة واحدة وما أفلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال تشبيهاً بمخادع نفسه غافلاً لاهياً عمّا أعده الله للساجدين من أنس العاجل وراحة الآجل ولا بَعُدَ عن الله أبداً من أحسن تقرّبه في السجود ولا قَرُبَ إليه أبداً من أساء إليه أدبه وضيّع حرمته بتعلق قلبه بسواه في حال سجوده. فاسجد سجود متواضع لله تعالى ذليل عَلِمَ أنه من تراب يطؤه الخلق وأنه اتخذك من نطفة يستقذرها كل أحد وكوَّن ولم تكنْ. وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسرّ والروح فمن قرب منه بعد من غيره ألا ترى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلاّ بالتواري عن جميع الأشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون، كذلك أمر الباطن فمن كان قلبه متعلقاً في صلاته بشيء دون الله فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته. قال الله عز وجل {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الاحزاب4). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى ((لا أطلع على قلب عبد فأعلم فيه حق الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي إلاّ توليت تقويمه وسياسته، ومن اشتغل بغيري فهو من المستهزئين بنفسه ومكتوب اسمه في ديوان الخاسرين)).

تأمل في هذا الحديث، ولا تتصوّر صلاة أهل الله كصلاتنا. إن حقيقة الخلوة مع الحق ترك الغير حتى النفس التي هي من أعظم الأغيار وأضخم الحجب وما دام الإنسان مشغولاً بنفسه فهو غافل عن الحق فكيف يمكن له الخلوة مع الحق. ولو حصلت له الخلوة الحقيقية في سجدة واحدة في جميع العمر فإنه ليجبر الخسارات في بقية العمر وتساعده عناية الحق ويخرج عن دائرة دعوة الشيطان، ولو كان القلب في حال السجدة التي هي ترك إظهار الغيرية ورفض الأنانية مشغولاً بالغير فإنه لينسلك في زمرة المنافقين وأهل الخدعة أعوذ بالله تعالى من مكايد النفس والشيطان ومن الخسران والخذلان والفضيحة في المحضر الربوبي، وما أكرم به الساجدون هو حلاوة الأنس مع المحبوب في الدنيا الذي هو خير من الدنيا وما فيها عند أهله وكشف الحجب وبذل الألطاف الخاصة في الآخرة الذي هو قرة عين الأولياء.

فحينئذ نحن العاجزون ومتحيِّرو وادي الضلالة والمخمورون من كأس الغفلة والعجب إذ حرمنا من صلاة أهل المعرفة وسجود أصحاب القلوب، فحقيق بنا أن نتوجّه إلى حالة قصورنا وتقصيرنا وذلتنا ومسكنتنا ونتأسف على حالة حرماننا، ونتلهف على كيفية احتجابنا ونستعيذ بالحق تعالى من هذا الخسران وتسلط النفس والشيطان، لعله تحصل لنا حالة الاضطرار فتجيب تلك الذات المقدسة المضطرين {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النمل62). فنضع رؤوسنا على تراب المذلة الذي هو أصل خلقتنا بحالة مغمومة ومضطربة وقلب محزون مغموم ونتذكر نشأة ذلّتنا ومسكنتنا ونطلب بلسان الحال من الحق تعالى ولي النعم جبران نقائصنا ونقول إلهنا نحن قد وقعنا في الحجب الظلمانية لعالم الطبيعة والاشراك العظيمة لاتباع الهوى والنفس. والشيطان متصرّف في عروقنا وجلودنا ودمائنا، وجميع وجودنا من القرن إلى القدم تحت سلطنة الشيطان. ولا علاج ولا تدبير لنا للخلاص من هذا العدو القوي إلا الالتجاء إلى ذاتك المقدسة فخذ أنت بيدنا ووجّه إليك قلوبنا اللهم إنّ توجهنا إلى غيرك ليس من الاستهزاء بك فما نحن ومن نحن حتى نستكبر ونستهزئ في المحضر المقدس لملك الملوك على الاطلاق. ولكن القصور الذاتي والنقص فينا قد صرف قلوبنا عنك ولولا عصمتك لبقينا في الشقاوة إلى الأزل وليس لنا طريق نجاة. اللهم ماذا نحن وقد قال داود النبيّ عليه السلام لو لم تعصمني لعصيتك.

وصل: في الحديث لما نزل قوله {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} (الأعلى1). قال رسول الله صلى الله عليه وآله اجعلوها في سجودكم وفي حديث الكافي أن أول اسم اتّخذه الله لنفسه العلي العظيم، ولعل هذا العلو الذاتي في حضرة الأسماء الذاتية في مقام الأحدية عند خلّص أهل المعرفة والتسبيح في هذا المقام عبارة عن تنزيه الحق من الكثرات الأسمائية ومقام الربوبية عبارة عن الربوبية بالفيض الأقدس الذي أشار إليه الشيخ الكبير بقوله: والقابل من فيضه الأقدس، فحاصل ذكر السجود في مذاق الأولياء التسبيح عن كثرة الواحدية والتوجّه بالربوبية الذاتية الحاصل من الفيض الأقدس والالتجاء إلى حمى الاسم الأول العلي الأعلى. والتحميد والتسبيح والتوصيف التام بلسان الذات في الحضرة الأحدية تقع بكسر المرآة. والطمأنينة في هذا المقام التمكين في هذه الحضرة كما أن رفع الرأس أيضاً تمكين وأنس للتجليات الأخرى. وفي هذه السجدة على الأرض إشارة إلى حال التحقيق ومقام التحقّق بالجمع بين الظاهر والباطن والأول والآخر لمن كان له قلب وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن. وبالسجدة على التراب تتمّ دائرة الكمال الإنساني والتمكين في هذا المقام تمام كمال الإنسان الكامل وهو حقيقة المعراج بجميع الأسماء والأعيان وسر الصلاة الحقيقيّة يظهر على قلوب أصحاب القلوب في هذا المقام، ويتبين سر {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (هود/56). وله الشكر في الأول والآخر.

 

الفصل الثاني عشر: في سر التشهد والسلام

 

اعلم أنه كما أن السجدة على التراب رجوع إلى الكثرة بلا احتجاب عن الوحدة وضعاً وعملاً كذلك التشهد والسلام رجوع إليها قولاً وتذكراً ولهذا يبدأ في التشهد أولاً بالشهادة بالألوهية والوحدانية ونفي الشريك مشفوعة بالتحميد ورجوع المحامد مطلقاً إلى الذات المقدسة للاسم الأعظم (الله)، وبعد ذلك يتم التوجه إلى مقام عبودية الولي المطلق محمد صلى الله عليه وآله ومقام رسالة ذاك السيد وهذا الترتيب منطبق على التجليات الذاتية والفعلية في مرآة الكثرة.

وأما السلام عليه صلوات الله عليه فهو رجوع السالك إلى نفسه وطلب السلامة لنفسه ولعباد الله الصالحين في الرجوع عن هذا السفر الخطير {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} (مريم33). وهذا سلام يوم البعث والرجوع عن الموت الحقيقي. ثم يتوجه المصلي إلى جميع ملائكة الله والأنبياء والمرسلين والقوى الملكوتية المرافقة له في هذا السفر ويطلب من الحق تعالى سلامتهم في هذا الرجوع من السفر الروحاني كما أشار إليه في حديث صلاة المعراج حيث قال صلى الله عليه وآله: ((ثم التفتّ فإذا أنا بصفوف من الملائكة والنبيين والمرسلين فقال لي يا محمّد سلّم فقلت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال يا محمّد إنّي أنا السلام والتحيّة والرحمة والبركات أنت وذرّيتك ثم أمرني ربي العزيز الجبار ألا ألتفت يساراً)) ولعل أمر الحق تعالى وعزّ وجلّ بعدم الالتفات إلى اليسار إشارة إلى عدم التوجّه إلى جنبة ((يلي الخلق)) والجهات الباطلة المظلمة للأشياء ويلزم للسالك أن يكون له التوجّه التام إلى الجهات اليمنى للأشياء التي هي نوريّة ربّيّة {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} (الزمر69). وحقيقة السلامة في هذا السفر المعراجي عبارة عن أن يكون السالك مبرأ من قدم النفس والأنانية وإذا كان سالماً في هذه المرحلة يكون سالماً أيضاً في المراحل البعدية التي تقع بعناية الحق. وتلك السلامة عبارة عن التوجّه إلى اليمين وعدم التوجّه إلى اليسار الذي هو أصل الاحتجاب والاعوجاج.

وصل: عن مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام (التشهد ثناء على الله فكن عبداً لله في السرّ خاضعاً له في الفعل كما أنك عبد له بالقول والدعوى وصِل صدق لسانك بصفاء صدق سرّك فإنه خلقك عبداً وأمرك أن تعبده بقلبك، ولسانك وجوارحك وأن تحقّق عبوديتك له بربوبيته لك وتعلم أن نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس ولا لحظ إلاّ بقدرته ومشيئته وهم عاجزون عن إتيان أقل شيء في مملكته إلا بإذنه وإرادته. قال الله عز وجل {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فكن عبداً شاكراً بالفعل كما أنك عبد ذاكر بالقول والدعوى، وصِل صدق لسانك بصفاء سرّك فإنه خلقك فعزّ وجل أن يكون إرادة ومشيئة لأحد إلاّ بسابق إرادته ومشيئته فاستعمل العبودية في الرضا بحكمة وبالعبادة في أداء أوامره وقد أمرك بالصلاة على نبيّه محمد صلى الله عليه وآله فأوصل صلاته بصلاته وطاعته بطاعته وشهادته بشهادته وانظر ألا يفوتك بركات معرفة حرمته فتحرم عن فائدة صلاته وأمره بالاستغفار لك والشفاعة فيك إن أتيت بالواجب في الأمر والنهي والسنن والآداب وتعلّم جليل مرتبته عند الله عز وجل)) وفي هذا الحديث الشريف إشارة إلى حقيقة التشهد وأيضاً إشارة إلى آدابه وإشارة إلى سرّه أيضاً حيث يقول التشهد ثناء على الله تعالى وهذه حقيقة التشهّد بل حقيقة جميع العبادات كما أشرنا إليه سابقاً أن باب العبادات باب الثناء على مقام الربوبية كل منها باسم أو أسماء.

وأمّا آدابه بل أدب جميع العبادات فعمدته ما أشير إليه في هذا الكلام الشريف وهو المواظبة على الحالات القلبية وسريان العبودية في السرّ حتى لا تكون دعوى بلا لبّ ولا بد للإنسان السالك أن يجهد في أن يوصل الأذكار والدعاوى اللسانية إلى القلب ويجعل القلب متذكراً وعابداً فإن القلب إذا قام بالعبودية فجميع قوى المملكة والجنود الظاهرة والباطنة تقوم بالعبودية. ففي أول الأمر فإن القلب متذكّر بذكر اللسان وفي آخر الأمر اللسان وسائر الجوارح تراجمة للقلب.

ثم إنه عليه السلام يعلّم في ذيل الحديث طريق تحصيل مقام الشكر وبعده يلّقن عليه السلام مقام الرضا ولكل منهما بيان طويل لا يسعه المقام.

ومن الآداب المهمة للتشهد والسلام الذي هو خاتمة الصلاة معرفة حرمة الرسول الأكرم الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم فلا بدّ للعبد السالك تفهيم القلب أنه لولا الكشف التام المحمّدي لم يكن لأحد الطريق إلى مقام عبودية الحق والوصول إلى مقام القرب ومعراج المعرفة، فكما أنه صلى الله عليه والمعصومين من الأئمة الطاهرين كانوا في أول الصلاة مرافقي طريق المعرفة ومعراج الحقيقة ومصاحبيه، فلا بدّ من التذكر في آخر السفر أيضاً أنهم أولياء النعم ووسائل وصول أهل المعرفة ووسائط نزول البركات وتجليات الحضرة الربوبية جلّت عظمتها (لولاهم ما عبد الرحمن وما عرف الرحمن) ومن شم رائحة من حقيقة الولاية والرسالة علم كيفيّة النسبة بين الأولياء عليهم السلام وبين الخلق ونحن بحمد الله ذكرنا شرحاً من ذلك في رسالة مصباح الهداية.

وأما ما ذكرنا من الإشارة في الرواية إلى سرّ التشهد ففي قوله عليه السلام (وتعلم أن نواصي الخلق بيده) إلى آخره وهذه إشارة لطيفة إلى مقام التحقق بالصحو بعد المحو وألا تكون الكثرات حجاباً لجمال المحبوب وأن يرى قدرة الحق ومشيئته نافذة وظاهرة في المرائي الخلقية، وهذا الإذن المذكور في الحديث الشريف الإذن التكويني وسراية الباطن إلى الظاهر وفي هذا المقام ينكشف على قلب السالك سرّ القدر وحقيقة الأمر بين الأمرين في جميع المراحل الذاتية والصفتية والفعلية ولا يسع التفصيل هذا المختصر.

وصل آخر: عن مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام ((معنى السلام في دبر كل صلاة الأمان أي من أدّى أمر الله وسنة نبيه خاشعاً منه قلبه فله الأمان من بلاء الدنيا وبراءة من عذاب الآخرة , والسلام اسم من أسماء الله تعالى أودعه خلقه ليستعملوا معناه في المعاملات والأمانات والالصاقات والإفاضات وتصديق مصاحبتهم فيما بينهم وصحة معاشرتهم. وإذا أردت أن تضع السلام موضعه وتؤدي معناه فاتق الله تعالى وليسلم منك دينك وعقلك وقلبك ولا تدنسها بظلمة المعاصي وليسلم حفظتك لا تبرمهم ولا تملّهم وتوحشهم منك بسوء معاملتك معهم ثم صديقك ثم عدوّك فإن من لم يسلم منه من هو الأقرب إليه فالأبعد أولى ومن لا يضع السلام مواضعه هذه فلا سلام ولا تسليم وكان كاذباً في سلامه وإن أفشاه في الخلق) وفي هذا الحديث الشريف إشارة خفيّة إلى سرّ السلام وإشارة جلية إلى أدبه والتحقّق بحقيقته.

وأمّا سرّه فكما أشير إليه طلب السلامة والأمان في الرجوع عن السفر والأمان عند الأولياء عبارة عن عدم الاحتجاب عن جمال المحبوب بحجب الكثرات، وهذا الاحتجاب هو أعلى مرتبة عذاب المحبّين كما قال سيد الأولياء (فهبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك) ولا عذاب لعاشق جمال الحق آلم من الفراق فسلام صلاة الأولياء أمان من بلاء الحجب الظلمانية للدنيا والحجب النورانية للآخرة وكل منها عين العذاب الأليم.

وأما الإشارة إلى التحقق بحقيقته فحيث يقول السلام اسم من أسماء الله أودعه خلقه وهذا بيان ظهور الأسماء في المظاهر الخلقيّة والتحقّق بحقيقة الأسماء عبارة عن الخروج من ظلمات الأنانية وشهود حظّ الربوبية في مرآة ذات نفسه. إن الإنسان ما دام في حجاب الكثرة وتصرّف الشيطان وقلبه مغصوب في يد عدّو الله لا يشاهد حظ الربوبية ومقام الإسمية في نفسه وسائر الموجودات فإذا ارتفع الحجاب يشاهد نفسه بمظهريّتها للأسماء ومن جملتها أنه يرجع عن هذا السفر الروحاني بسلامة القلب وأمان الضمير ويكون نظره إلى الموجودات نظر صفاء وسلم ويرى حقيقة اسم السلام سارية في جميع الموجودات ويعاشر جميعها بالتحقق بحقيقته ويشاهد العالم دار السلام ومظهر السلام ويرى يد خيانة الخائنين قاصرة عن جمال الجميل المطلق، فيرى وجوده من قرنه إلى قدمه والعالم مستغرقاً في اسم السلام وفي هذه المرحلة يجد سرّاً كاملاً من أسرار القدر.

ولو كان بالقدم العلمي والنظري فإنه يجد سرّ قول الحكماء: إن الوجود خير محض وإن كان من أصحاب المعرفة والكشف تتجلى لقلبه السلامة والأمان على قدر سعة قلبه.

وأما آدابه فتحتاج إلى بيان وشرح آخر.

وصل آخر: مما ذكر من سر الصلاة من أن حقيقتها عبارة عن السفر إلى الله في الله ومن الله قد علم في سرّ السلام مطلب آخر وهو أن السالك لمّا حصلت له في حال السجدة الغيبة المطلقة من جميع الموجودات وغاب عنها أجمع، حصلت له في آخر السجدة حالة الصحو وقويت هذه الحالة في التشهد أيضاً فانتقل فجأة عن حالة الغيبة عن الخلق إلى الحضور وأدّى أدب الحضور في آخر التشهد فتوجّه إلى مقام النبوّة وجاء بأدب الحضور في محضر الولاية لذاك السيد وهو السلام الشفاهي، ثم توجّه إلى تعيّنات نور الولاية وهي القوى الظاهرة والباطنة لنفسه ولعباد الله الصالحين، ولاحظ أدب الحضور وبعد ذلك توجّه إلى مطلق كثرات الغيب والشهادة ولاحظ أدب الحضور وقدّم السلام شفاهاً وتمّ عند ذلك السفر الرابع وهو السفر من الخلق إلى الخلق. ولهذا الإجمال تفصيل أكثر ولكني الآن عاجز عن بيانه والناس عن استماعه عاجزون.

 

خاتمة: في التكبيرات الثلاثة الإختتامية

 

وهي السر الإجمالي للتكبيرات الإفتتاحية فكما أنه ما لم يرفع السالك الحجب الثلاثة لم يحصل له الوصول إلى باب الله ولم تفتح له الأبواب للدخول في المحضر. وبواسطة رفع الحجب تكشف له سبحات الجلال والجمال كذلك بعد الرجوع عن مقام الوصول والفناء المحض وحصول حالة الصحو تكون التجلّيات الذاتية والتجلّيات الأسمائية والتجلّيات الأفعالية على قلب السالك بعكس ترتيب السلوك إلى الله فيكبّر لكلّ من التجلّيات. وحيث أن هذه التجلّيات بالكثرة لا تكون حجاباً لجمال المحبوب فيشير السالك برفعه يده في كل مرّة إلى عدم الاحتجاب عن مقام.

فحيث أنه شاهد جلوة الذات في حضرة الأسماء والصفات فيشير برفع يده إلى أنّ تعيّنات الأسماء والصفات ليست حجاباً لتجلّي الذات.

وفي التكبيرة الثانية يشاهد التجليات الأسمائية في حضرات

الأعيان بل يشاهد التجليات الذاتية أيضاً فيها فيشير برفع اليد إلى عدم الاحتجاب.

وفي التكبيرة الثالثة يشاهد التجليات الذاتية والأسمائية والأفعالية في مرآة الأعيان الخارجية فبرفع اليد ينفي حجبها.

فالتكبيرات الإفتتاحية لشهود التجليات من الظاهر إلى الباطن. ومن التجليات الأفعالية إلى التجليات الذّاتية ورفع اليد فيها لرفع الحجاب للوصول إلى مقام القرب والمعراج الحقيقي والتكبيرات الإختتاميّة للتجليات من الباطن إلى الظاهر. ومن التجليات الذاتية إلى التجليات الأفعالية. ورفع اليد للإشارة إلى عدم الاحتجاب ومرفوعية الحجاب. والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

 

دعاء وختم

 

اللهم اجعل خاتمة أمرنا مقرونة بالسعادة واجعلنا متمسكين بحبل معرفتك ومحبتك واقطع يد تطاول العفريت الرجيم والشيطان عن قلوبنا واقذف في قلوبنا جذوة من نار محبّتك لتحصل جذبة من جذباتك وأحرق ما كوّمناه من الأنانية والعجب بنور نار عشقك حتى لا نرى سواك ولا ننزل بأحمال قلوبنا في سوى جنابك.

أيا محبوباه، نحن عنك لمبعدون ومن جمالك الجميل لمهجورون. اللهم إلاّ أن تتصرّف يدك الكريمة وترفع من البين الحجب الغليظة حتى ينجبر ما سبق من عمرنا فيما بقي منه إنك ولي النعم.

قد تم بيد المؤلف الفقير في 21 شهر ربيع الثاني 1358 هـ. ق
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved